جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٣ · صفحة ٤٥٢الكلام لا يزال في بني إسرائيل وإنما غالب ما تقدم خاص بعلمائهم الذين تلاعبوا بما أنزل الله على أنبيائهم تارة بتبديل النصوص، وأخرى بتحريف التأويل، والمعنيون هنا هم دهماؤهم الذين لم يفهموا من الكتاب شيئا وإنما تعلقوا بأماني سولت لهم بها أنفسهم مستندين إلى ما يتردد على ألسنة أحبارهم الأفاكين من كونهم لن تمسهم النار إلا أياما معدودات، وأنهم أبناء الله وأحباؤه، وأن آبائهم الأنبياء سيشفعون لهم عند الله فيرحمهم برحمتهم.
وقيل: بأن الآية في النصارى العرب.
وقيل: في المجوس.
والقولان لا يتلاءمان مع السياق.
وروى ابن جرير بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: الأميون قوم لم يصدقوا رسولا أرسله الله، ولا كتابا أنزله الله، فكتبوا كتابا بأيديهم ثم قالوا لقوم سفلة جهال هذا من عند الله، وقال قد أخبر أنهم يكتبون بأيديهم ثم سماهم أميين لجحودهم كتب الله ورسله.
قال ابن جرير: وهذا التأويل تأويل على خلاف ما يعرف من كلام العرب المستفيض بينهم، وذلك أن الأمي عند العرب هو الذي لا يكتب .(2)
وذكر ابن كثير أن في صحة هذا التأويل عن ابن عباس بهذا الإسناد نظرا.
والأمي هو – كما قال ابن جرير – من لا يكتب منسوب إلى الأم لبقائه على الحالة التي ولدته فيها أمه، وقيل: منسوب إلى الأمة لأن هذه هي صفة جمهرة الناس عادة، وهذا كما يقال عامي نسبة إلى العامة.
ويعضد ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم ( إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب ) ، وجاء وصفه صلى الله عليه وسلم بالأمية في القرآن، وبين معناه في قوله تعالى: ( وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لا رتاب المبطلون )(3) ، وهذه الصفة مدح في رسول الله صلى الله عليه وسلم دون غيره لأنها معدودة في معجزاته حيث أنزل الله عليه الكتاب فيه تبيان كل شيء وهو بهذه الحالة.