جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٣ · صفحة ٤٨٢أما الدعاة الذي لا يهمهم من الدعوة إلا ما يكسبونه من المال وينالونه من الجاه، فهم أحرى بالمثل الذي قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه عنه الخطيب والطبراني من طريق جندب بن عبدالله t ] مثل العالم الذي يعلم الناس الخير ولا يعمل به كمثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه [ ، وضرب قطب الأئمة – رحمه الله – في هيميان الزاد لهؤلاء أمثالا عدة منها أنهم كمن يشفق على غيره أن يسقط قي هوة أو يقع في نار ويغفل عن نفسه وهو مشرف على ذلك[1]. ومثلهم صاحب المنار برجل أمامه طريق مضيء نصبت فيه الأعلام والصوى بحيث لا يضل سالكه ثم هو يسلك طريقا آخر مظلما طامس الأعلام، وكلما لقي في طريقه شخصا نصح له أن لا يمشي معه وأن يرجع إلى طريق الهدى الذي تركه، وساغب يدعو الناس إلى المائدة الشهية ويبيت على الجوع والطوى، أو صاد يدل العطاش على مورد الماء ولا يرد معهم[2].
وإذا كان الباعث على دعوة الغير إلى الخير النصح له والإشفاق عليه فإن نفس الإنسان أولى بالنصح والإشفاق، فمن لن يبر نفسه لن يَبَّر غيره، وكما جاء النعي على هذه الحالة في خطاب بني إسرائيل جاء في خطاب المؤمنين، فقد قال تعالى: ] يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون [[3]، وفي قول شعيب لقومه: ] وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت [[4] دليل على أن النصح القولي وإن بلغ غايته إذا لم يصدقه العمل ليس من الإصلاح في شيء.