جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٣ · صفحة ٤٨٤وأخرج ابن مردويه وابن عساكر والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلا جاءه فقال: يا ابن عباس إني أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، فقال: أو بلغت ذلك؟ قال: أرجو. قال: فإن لم تخش أن تفتضح بثلاثة أحرف في كتاب الله فافعل. قال: وما هن؟ قال: قوله عز وجل: ] أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم [ أحكمت هذه الآية؟ قال: لا. قال: فالحرف الثاني قوله تعالى: ] لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون [ أحكمت هذه الآية؟ قال: لا. قال فالحرف الثالث قول العبد الصالح شعيب: ] وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه [ أحكمت هذه الآية؟ قال: لا. قال: فابدأ بنفسك. وهو يعني أن يجاهد العبد نفسه أولا فيقّوم اعوجاجها ويصفي كدرها، ثم ينثني إلى غيره، وإلا كان كما قال الشاعر:
فما كاد من حوله يسمعون هذا البيت حتى ارتفعت أصواتهم بالبكاء لتأثير موعظته على نفوسهم.
وهذا التوبيخ لا يعني أن الفاجر غير مكلف بالمعروف والنهي عن المنكر فإنهما فرضان لا يسقطان في الفجور، وقد وهم من زعم أن الفاجر ليس له أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فإن فجوره لا يسقط عنه واجبا، ولا يمنعه من إحسان، وقد أجاد سعيد بن جبير في قوله: لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن المنكر.
ومحا الاستنكار والتوبيخ في الآية هو نسيان أنفسهم مما يأمرون به غيرهم، وليس أمرهم الناس بالبر وإنما مثلها مثل قول القائل: أتعرف الله وتعصيه؟ أو تصوم ولا تصلي؟ فإن الإنكار واقع على المعصية، وترك الصلاة دون معرفة الله والصوم، وقد أجاد ابن عاشور في قوله: ( ليس المقصود نهي ولا تحريم، ويدل لذلك أنه قال في تذييلها ] أفلا تعقلون [ ولم يقل أفلا تتقون أو نحوه )[5].