جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٤ · صفحة ١٣أما الشفاعة فقد ذكرت تارة بالنفي المطلق، كما في قوله تعالى: ] يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة [[4]، والخطاب للمؤمنين كما ترون، وتارة بنفي قبولها ونفعها كما في هذه الآية ونظيرتها المشار إليها من قبل، وتارة مقيدة بإذنه تعالى كما في قوله: ] من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه [[5]، وتارة مخصوصة بالرضى وذلك قوله عز من قائل: ] ولا يشفعون إلا لمن ارتضى [[6]، وتارة منفية عن الظالمين والمجرمين كما في قوله: ] ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع [[7]، وقوله حكاية عن أهل النار: ] فما لنا من شافعين [[8]، ولا تنافي بين هذه الآيات فإنها عندما تنفي الشفاعة أو تنفي منفعتها أو قبولها لا تكون إلا واردة مورد التحذير من فعل محظور أو التقصير في واجب، وهو لا ينافي أن ينفع الله بالشفاعة عباده المرتضين التائبين مما قارفوا من السيئات.
وقد يعترض بأن التوبة نفسها مكفرة للذنوب فلا أثر للشفاعة معها؛ والجواب أن التوبة وإن كانت مكفرة بفضل الله ورحمته فإن مما تقتضيه توبة التائب استحقاق شفاعة النبي e فيشفع له عليه أفضل الصلاة والسلام، فيتقبل الله توبته ويكفر سيئته، وقد تكون الشفاعة سببا في رفع منازل الصالحين عند الله يوم القيامة، وقد جاء في حديث جابر بن زيد عند الربيع رضي الله عنهما أن النبي e قال: ] ما منكم من أحد يدخل الجنة إلا بعمل صالح وبرحمة الله وبشفاعتي [ ، فكما أن العمل الصالح يتوقف في إسعاد صاحبه على رحمة الله تعالى، فهو أيضا يتوقف على حصول الشفاعة من الرسول e التي هي من أسباب قبوله.