جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)

الجزء ٤ · صفحة ١٤

وذكر صاحب المنار أن الناس اختلفوا في أمر الشفاعة نظرا إلى ما تفيده بعض النصوص القرآنية من نفيها، وما جاء في بعضها من الاستثناء كقوله: ] إلا بإذنه [، وقوله: ] إلا لمن ارتضى [ ، فمن الناس من يحكم الثاني بالأول، ومنهم من يرى أنه لا منافاة بينهما، فنحتاج إلى حمل أحدهما على الآخر لأن مثل هذا الاستثناء ( أي الاستثناء بالإذن والمشيئة )، معهود في أسلوب القرآن في مقام النفي القطعي للإشعار بأن ذلك بإذنه ومشيئته عز وجل، كقوله تعالى: ] سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله [[9]، وقوله: ] خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك [[10]، فليس في القرآن نص قطعي في وقع الشفاعة ولكن ورد الحديث بإثباتها فما معناها؟ الشفاعة المعروفة عند الناس هي أن يحمل الشافع المشفوع عنده على فعل أو ترك كان أراد غيره حكم به أم لا، فلا تتحقق الشفاعة إلا بترك الإرادة وفسخها لأجل الشفيع، فأما الحاكم العادل فإنه لا يقبل الشفاعة إلا إذا تغير علمه بما كان أراده أو حكم به، كأن كان أخطأ ثم عرف الصواب ورأى أن المصلحة أو العدل في خلاف ما كان يريده أو حكم به، وأما الحاكم المستبد الظالم فإنه يقبل شفاعة المقربين عنده في الشيء وهو عالم بأنه ظلم وأن العدل في خلافه ولكنه يفضل مصلحة ارتباطه بالشافع المقرب منه على العدالة، وكل من النوعين محال على الله تعالى لأن إرادته تعالى على حسب علمه، وعلمه أزلي لا يتغير[11].

وبعد هذا التحرير في أصل الشفاعة نقل عن شيخه الإمام محمد عبده قوله: ( فما ورد في إثبات الشفاعة يكون على هذا من المتشابهات وفيه يقضي مذهب السلف بالتفويض والتسليم وأنها مزية يختص بها الله من يشاء يوم القيامة، عُبر عنها بهذه العبارة ( الشفاعة ) ولا نحيط بحقيقتها مع تنزيه الله جل جلاله عن المعروف من معنى الشفاعة في لسان التخاطب العرفي ).

١٬٣٣٣ / ١٬٤٤٧