جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٤ · صفحة ٢٦رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم [[26]، فلو كان في الآيتين موضع للاستدلال لما قالوه كانتا أدل على الشفاعة لمن اتخذ مع الله إلها آخر على أنهما لو كانتا نصا في الدعاء بالمغفرة لما كان في ذلك دليل على قبول الشفاعة، كيف وقد حكى الله عن الخليل u أنه استغفر لأبيه ومع ذلك لم يغفر له، وقد بين سبحانه داعية هذا الاستغفار في قوله: ] وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم [[27].
ومنه قوله: ] لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا [[28]، ووجه استدلالهم به أن مرتكب الكبيرة قد اتخذ عند الله عهدا بتوحيده وإسلامه.
وجوابه أن هذا العهد قد نقضه صاحبه بمعصيته لله، فإن من مقتضيات التوحيد والإسلام الاستسلام التام لأمره، والانقياد المطلق لحكمه، وذلك لا يجتمع مع الإصرار على معصيته.
ومنه قوله تعالى في الكفار: ] فما تنفعهم شفاعة الشافعين [[29]، ووجه الاستدلال به أنه منطوق الآية دال على حرمان الكفار من نفع الشفاعة لهم، ومفهومها يقتضي ثبوتها لغيرهم وهم أمة محمد عليه أفضل الصلاة والسلام.
وجوابه أن مفهوم المخالفة مختلف في الاستدلال به في الأمور العملية فكيف يكون حجة في القضايا الإعتقادية، وهي لا تبني إلا على يقين، فلا تستفاد إلا من قواطع الأدلة دون ظنياتها، ومع ثبوت الاستدلال به فلا بد من استيفائه شروطا معينة، منها: أن لا يكون المنطوق جاريا مجرى الأغلب المعتاد، وأن لا يكون جوابا لسائل أو تعليما لجاهل، ولو كان مثل هذا المفهوم حجة في مثل هذا الباب لكاب الوعيد على أي كبيرة حجة في انتفاء الوعيد عما عداها، فيكون نحو قوله تعالى: ] ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجراؤه جهنم [[30]الآية، حجة على أن غير القاتل لا يصلى جهنم ولو أشرك بالله، وهكذا.