جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٤ · صفحة ٤٦وما من شك في أن الإذلال الدائم لأي مجتمع أو شعب أخطر وسيلة في إعدام نخوته و إبادة شعوره بالعز والإباء ، فإن نسول المستذلين لا تكون إلا ذليلة ، وماذا عسى أن تكون حالة جيل يفتح عينيه فيرى أصول ترزح في قيود الذل وتحت وطأة القهر والاستعباد ؟ فهل يكون مثل هذا الجيل إلا أكثر ذلا وأشد خنوعا ، وأعظم رضى بكل ما يلقاه من قاهرية و مستذليه ؟ غير أن هذه الطريقة تحتاج إلى صبر طويل المدى حتى تعطي نتائجها ، ولم يكن فرعون وآله يملكون مثل هذا الصبر ، ومن ثم استعجلوا النتيجة بإبادة الذكران من المواليد الإسرائيليين واستبقاء إناثهم للإمعان في الإهانة ، وهذا لأن الذكور بهم امتداد حياة الأمم والشعوب والقبائل ، وماذا عسى أن تكون حالة الإناث وما لهن من حام للذمار ، أو كاشف للعار ؟ ولو قدرت لهن ذرية فلن تكون امتدادا لأصولهن ، وإنما يكونون امتدادا لآبائهم الآخرين .
هذا ما يدل عليه قوله تعالى : ) يسومونكم أبناءكم ويستحون نساءكم ( ، وقد ذهب أكثر المفسرين في تفسيره مذاهب لا تستند على حجة سوى روايات ليس لها من أصل وإن عزيت إلى من عزيت إليه من السلف ، منها أن فرعون أخبرته الكهنة عن إظلال زمن مولود إسرائيلي يكون هلاكه على يديه ، ومنها أنه رأى في نومه نارا أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر فأحرقت القبط وسلمت بني إسرائيل فأولت له رؤياه بما سبق ذكره ، ومنها أنه نمي إليه حديث تردده ألسنة بني إسرائيل مفاده أن الله تعالى وعد عبده الخليل إبراهيم u أن يجعل ذريته أنبياء وملوكا ، وأنهم يتطلعون إلى هذا الوعد ليتخلصوا مما هم فيه من النكد .