جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٤ · صفحة ٤٧وهذه الأقوال ظاهرة البطلان ؛ أما الأول والثاني فبطلانهما من حيث إن الرؤيا والكهانة لو أفادا علما يقينيا بأمر ما مع تحديد زمنه لبطل إعجاز النبوات بالإخبار عن المغيبات لتساوي الكل في ذلك ، وأين النبوة من الكهانة ؟ والرؤيا الصادقة وإن كانت في كثير من أحوالها نافذة للإطلاع على بعض الأحوال المستقبلة ، فإنها تختلف عن الوحي الظاهري لأنها تأتي مطوية في غلف تختلف رقة وغلظة ولذلك تحتاج إلى تأويل يصدر عن فهم وإدراك عميقين ، ويبعد أن يكرم الله بالرؤيا الصادقة أمثال فرعون ممن ران على نفوسهم الكفر واستولى على وجدانهم الضلال [6] ، ومن ناحية أخرى فإنه من المستبعد أن يجرأ أحد على فرعون الجبار العنيد ذي البطش الشديد فيخبره بانتهاء ملكه على يدي ناشئ من بني إسرائيل .
وأما القول الثالث فبطلانه من حيث إن أخبار النبوات لم تكن لتؤثر على نفسية فرعون بعدما تكبر وطغى وبلغ به غروره أن قال : ) أنا ربكم الأعلى ( [7] ، وقال : ) ما علمت لكم من إله غيري ( [8] ، فإن تأثيرها على نفسه نافذة إلى تصديقها والإيمان بها وأنى لمن يؤمن بالله رأسا بل ادعى انه هو الإله الواحد أن يؤمن أو تأثير بشيء مما تردده الألسن عن أخبار الأنبياء ؟ وهب ذاك صحيحا فإن ذرية إبراهيم لم تكن منحصرة في ولد إسرائيل ، فليس تذبيحه لأبناء الإسرائيليين كافيا في الاحتياط عما يحذره من ذلك .
والمراد بسومهم سوء العذاب إذاقتهم إياه وإلصاقه بهم وفسر بإيلائهم إياه ، وحروفه توحي بالمداومة ، ومن ذلك سميت الماشية التي لا تعلف سائمة لمداومتها الرعي ، وقد شاع عند العرب قولهم ( سامه الخسف ) ، أو ( أسامه خطة خسف ) إذا ألزمه ذلك ، ومنه قول عمرو بن كلثوم :
وقد سبق تفسير العذاب وهو كله سيء ، وإنما أضيف هنا إلى السوء للإمعان في الدلالة على كونه متناهياً في الإيلام .