جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٤ · صفحة ٥٠واستحياء النساء طلب حياتهن بالإعراض عن قتلهن ، وعد ذلك من سوء العذاب الذي يسومونهم إياه لأن القصد منه سيء للغاية إذ لم يريدوا باستحيائهن تسليمهن من القتل ، وإنما أرادوا به هتك أعراضهن وإنزال صنوف المهانة بهن وذلك أبلغ في إيذائهم وإيذائهن من القتل . فلربما تمنى الحر الأبي موته أو موت كرائمه عندما يجدهن معرضات لمثل هذا البلاء ، وكم سارعت الحرائر إلى الموت من تلقاء أنفسهن خشية العار واتقاء سوء الأحدوثة .
وعبر عن البنات بالنساء ولم يعبر عن الأبناء بالرجال لأنهم بقتلهم في طور الطفولة حيل بينهم وبين الوصول إلى طور الرجولة ، بخلافهن فإن استحياءهن سبب لبلوغهن مبلغ النساء البالغات .
وذهب بعض المفسرين في استحياء النساء مذهبا بعيدا وهو أن المراد به اكتشاف أحيائهن - أي فروجهن - ابتغاء معرفة كونهن حوامل أو غير حوامل ، وهو ضعيف ، فإن الحمل له قرائن بارزة وعلامات ظاهرة فما الذي يدعوهم إلى اكتشاف الفروج لأجل التفتيش عنه ، وليس فيها قرائن الحمل وعلاماته .
والبلاء الاختبار ، ومنه قوله تعالى : ) ليبلوني أأشكر أم أكفر ( [13] ، ويكون بالنعمة وبضدها ، ومن هنا اختلف في المشار إليه بقوله : ) وفي ذلكم ( ، وقيل : هو المحنة المتمثلة في سوم العذاب وتذبيح الأبناء واستحياء النساء ، وقيل : هو نعمة النتيجة من ذلك ، ورجح الأول بعضهم بكونه أقرب مذكور ، والثاني آخرون لأن السياق في الحديث عن النتيجة ، وذهب بعض اللغويين إلى أن ما كان بالمحنة يأتي فعله مجردا ومزيدا على وزن افتعل ، فيقال فيه بلوته وابتليته ، وما كان بالنعمة فيأتي فعله مزيدا بالهمزة غالبا ومجردا منها قليلا ، فيقال : أبليته في الغالب ، وبلوته في النادر ، وقد جمع الشاعر اللغتين في قوله :
[1]- سورة يوسف 111 .
[2] - سورة الأحزاب 62 .
[3] - سورة الروم 2- 5.
[4] - المنار الجزء الأول ص 309 ، 310 - الطبعة الرابعة .
[5] - سورة القصص 40 .
[