جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٥ · صفحة ٥• أنه ينبني عليه أن يلي ذكر الكتاب بيان انقسامه إلى محكم ومتشابه من غير أن يتخلل ذلك ذكره لغيره. و(أل ) في ﴿الْكِتَابَ﴾ آل عمران7، للعهد، والمعهود هو الكتاب المنزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهو القرآن الكريم الذي جاء بهذه الكيفية المخصوصة بحيث كان منه المحكم ومنه المتشابه.
والجار والمجرور في قوله: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ﴾ آل عمران7، متعلقان بمحذوف هو خبر مقدم للمبتدأ و ﴿آيَاتٌ﴾ آل عمران7، مبتدأ مؤخر، وهذا هو الذي تقتضيه الصناعة – وإن ذهب من ذهب إلى غيره – نظرواً إلى أن ما تقتضيه جزالة الكلام حسب ما قيل. و ﴿مُّحْكَمَاتٌ﴾ آل عمران7، وصف للمبتدأ وهو ﴿آيَاتٌ﴾ آل عمران7، و ﴿وَأُخَرُ﴾ آل عمران7، معطوف عليه، و ﴿مُتَشَابِهَاتٌ﴾ آل عمران7، وصف للمعطوف.
معنى الإحكام
شاع استعمال الإحكام بمعنى الإتقان، وقيل بأن أصل وضعه للمنع، والمعنيان متداخلان، فإن ما أقن منيع من تسرب الخلل إليه كما هو مشاهد فيما هو مادي؛ كالبنيان الذي يُتقن صنعه فتتراص لبناته وتتلاحم مواده إلى أن تكون كالشيء الواحد بحيث يتعذر أن ينفذ أي شيء من خلاله إلى ما بداخله، ومن شواهد كون الإحكام بمعنى المنع قول جرير:
أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم= إني أخاف عليكم ُ أن أغضبا
فإن مراده امنعوا سفهاءكم من التهور.
ومنه الحُكم فإنه مانع من الظلم والتظالم إن كان عادلا، وكذلك الحكمة فإنها مانعة من الإنحراف والتهور، ومنه حَكمَةُ الفرس – وهي لجامه – فإنها تمنعه من الجري وتكبحه عن الجموح والإضطراب، وإحكام الكلام إتقانه، ويكون لفطياً ومعنوياً، فإحكامه لفظاً هو صونه عن كل ما يُعد خطأً في التعبير – سواء من حيث جمله أو مفرداته – ومن السوقي الذي لا يليق برفيع الكلام، وإحكامه معنى هو صونه عن كل ما يؤدي إلى التناقض أو إيهام ما لا يراد به.
معنى التشابه