جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)

الجزء ٥ · صفحة ٣٣

8- تضمين الكلمات من الحقائق العالية والمعاني السامية ما يجلي قدرا ويعظم شأنا فوق ما هو مألوف للعباد من معاني تلكم الكلمات: وتلكم هي صفات الله تبارك وتعالى، فإن الله سبحانه وتعالى عرّف العباد بنفسه وأخبرهم بصفاته بكلمات لم تكن غريبة عليهم؛ إذ هي من اللغات التي يتداولونها في الوصف والبيان، ولكن شتان بين مضامينها المألوفة عندهم ومضامينها في كلام الله تعالى، فالله عرَّفهم بنفسه أنه السميع البصير، العليم الخبير، الحي القيوم، الغفور الرحيم، العزيز الحكيم، العلي العظيم، الواحد القهار، الواسع القدير، الأول والآخر، والظاهر والباطن، ولكل وصف من هذه الأوصاف معروف عند الناس ولكن أنى تقاس صفات الخالق على المخلوق؟ والمخلوق محدود في ذاته وصفاته، والخلق سبحانه منزه عن ذلك، فصفاته مطلقة لا حدود لها كذاته، ولهذا كان التباين بينه وبين خلقه في حقيقة الإتصاف بتلكم الأوصاف، فالمخلوق إن وصف بالعلم فعلمه ليس ذاتيا، ولذلك يتدرج في تحصيله إن كان كسبيا، ويأخذ في النمو والزيادة باجتهاده مع توفيق الله له، ولئن كان ضرورياً فإنه أيضًا حادث كحدوث الكسبي، وإنما الأصل فيه الجهل كما يُنبئ به قوله تعالى: ﴿وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً﴾ النحل78، ومهما يكن مقدار علمه فإنه لا يعدو أن يكون قطرة في خضم جهله، وقد يتحول من العلم إلى الجهل لنسيان أو ضعف كما هو بيِّن في قوله تعالى: ﴿وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً﴾ النحل70، ومثل ذلك يقال في قدرته وسائر صفاته.

١٬٤٣١ / ١٬٤٤٧