جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ١ · صفحة ١٧٠وما أعمق أسرار التكوين الإنساني وأكثر عجائبه وكل من يدرس أسرار هذا التكوين تأخذه الحيرة وتتملكه الدهشة وقد سبق أن ذكرت أن جسم كل إنسان ذكرا كان أو أنثى ينطوي على ستين مليون مليون خلية وهذه الخلايا لم تخلق سدى، بل لكل خلية وظيفة في حياة الإنسان، والدماغ وحده الذي هو مركز الحركة والحس في الجسم يشتمل على أربعة عشر مليار من الخلايا: ألف مليون خلية منها وظيفتها الاستقبال والتصدير وهي الخلايا العصبية تمتد منها أسلاك دقيقة إلى الجسم تدعى بالأنسجة العصبية بوساطتها نسمع ونرى ونتذوق ونتحرك ونحس إذ هي التي تؤدي إلى الدماغ الأصوات والصور، فالذبذبات الضوئية يلتقطها مائة وثلاثون مليونا من الخلايا البصرية في كل عين، وهي تقوم بدورها لنقلها إلى الدماغ والأصوات تلتقطها عشرة آلاف خلية لتؤديها إلى الدماغ كذلك وتنقل أنواع المذاقات إلى الدماغ ثلاثة آلاف خلية، وإذا لامست الجلد حرارة أو قاربته تولت ثلاثون ألف خلية نقلها إلى الدماغ ، وإذا لامست الجلد البرودة نقل ربع مليون خلية حسها إلى الدماغ فإذا شعر بها الدماغ اقشعر الجسم وتنفست الشرايين الدموية فتؤدي إليها الدورة الدموية مزيدا من الدم لسد هذا الفراغ، والحرارة إذا ما زادت تولت مجموعة من الخلايا نقلها إلى الدماغ فتفرز ثلاثة ملايين غدة من الغدد العرقية عرقا باردا يجري على الجسم وهذه الأشياء كلها مقدرة تقديرا في الإنسان والطاقات المتنوعة الموجودة فيه جعلها الله بمقادير معينة فالطاقة البصرية لو زادت عن هذا المقدار لكانت شاغلا للإنسان عن وظيفته الضرورية لرؤيته مالا داعي إليه كالميكروبات الدقيقة، ولو نقصت لما أمكنه أن يؤدي وظيفته الحيوية على ما يرام، والطاقة السمعية بمقدار حاجته من الأصوات، ولو زادت لكان سببا لبلبلة فكره لما يتزاحم عليه من الأصوات التي هو غني عنها ولو نقصت لتعسر عليه القيام بمهامه وبالجملة فإن هذا الكون بأسره من ذراته الدقيقة آلة