جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ١ · صفحة ١٧٨وغيرها من الأمور التي توقف سلامة الإنسان على اجتنابها من أول الأمر.
أما القرآن المدني فهو لا يغفل جانب العقيدة ولكنه يعنى مع ذلك بالجوانب العسكرية والمدنية في حياة الأمة الإسلامية ويرجع ذلك إلى قيام الدولة الإسلامية التي تستوجب أنظمة سياسية واجتماعية واقتصادية وعسكرية والعبادات أيضا عندما تذكر في القرآن المدني تذكر بشيء من التفصيل والإيضاح ويضيف السيد محمد رشيد رضا في تفسيره "المنار" إلى ذلك أن القرآن المكي يتميز بجزالة التعبير وبالدلالة على المعاني الجمة بالقليل من الكلمات ويرد ذلك إلى أن القرآن في مكة كان يواجه قريشا وهم أفصح العرب لسانا، وأبلغهم بيانا، وإدراكهم لمضامين الكلام وأوعاهم لمقاصده وأما القرآن المدني ففيه الإسهاب والتطويل خصوصا عندما يخاطب بني إسرائيل لأنهم لم يكونوا عربا أقحاحا، فلا يدركون من مقاصد الكلام العربي الجزل ما تدركه العرب لا سيما قريش، وفي هذا نظر فإن القرآن طبقة واحدة في بلاغته ولا يتصور أن تكون عبارة أبلغ من عبارة فيه، وإنما تختلف الموضوعات التي يتطرق إليها فبعضها يقتضي الاختصار وبعضها يستوجب الإسهاب، وبما أن المدينة قامت فيها الدولة الإسلامية كان الحال يقتضي وضع الأسس لحياة الأمة، ومن المعلوم أن أمور المعاملات بل والعبادات تستوجب شيئا من التفصيل والإطالة أكثر مما يستوجب الوعد والوعيد، فلا عجب إذا رأينا القرآن المكي وهذا من معالم بلاغته فإن البلاغة تقتضي الاختصار تارة والإطالة تارة أخرى باختلاف المقامات على أنا إذا نظرنا إلى آيات التوحيد المدنية كأية الكرسي وخواتم البقرة وخواتم الحشر نجد فيها من جزالة اللفظ وغزارة المعنى ما لا يقل عما في نظائرها من الآيات المكية، وخطاب القرآن.