جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ١ · صفحة ١٨٥والأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده يميل إلى رأي القائلين بتقدم الفاتحة في النزول، وينزع منزعا غريبا في الاستدلال لذلك، وقد لخص السيد محمد رشيد رضا ما ألقاه في الأزهر في دروس التفسير من بيان الاستدلال لتقدم نزولها وألخص هنا هذا الملخص بشيء من الاختصار.
قال: إن سنة الله في الكون- سواء أكان إيجاديا أم كونا تشريعيا- أن يبدأ في إظهار الشيء مجملا ثم يتبعه التفصيل وسنة الله في هدايته لعباده لا تختلف عن سنته في الإنبات كالشجرة الكبيرة الباسقة الفروع الوارفة الظلال تجتمع أصولها في البذرة التي تنبت منها ثم تنمو بعد ذلك شيئا فشيئا بحسب ما تقتضيه سنة الله حتى تمتد فروعها وتؤتى ثمارها وذلك مثل هداية الله لعباده وبنى الأستاذ الإمام على ذلك أن فاتحة الكتاب منطوية على الأصول والأغراض التي لأجلها نزل القرآن وصرح بعد ذلك أنه لا يذهب بما قاله مذهب القائلين بالإشارة الزاعمين أن كل ما في القرآن مضمون في الفاتحة وكل ما في الفاتحة داخل في البسملة وكل ما في البسملة هو في الباء وكل ما في الباء مرموز إليه بالنقطة لعدم صحة ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو عن صحابته (رضي الله عنهم) وإنما هو ن مخترعات الغلاة الذين انتهى بهم الغلو إلى سلب القرآن خاصته وهي البيان والله الذي نزله يصفه: (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) ( الشعراء/195) وأوضح الأستاذ الإمام الأغراض التي أنزل لأجلها القرآن فحصرها في خمسة أغراض وهي: التوحيد والوعد والوعيد والعبادة وبيان سبيل السعادة وقصص الذين عملوا بأوامر الله ووقفوا عند حدوده وأخذوا بأحكام دينه، والذين نبذوا أحكامه وتعدوا حدوده واستخفوا بوعده ووعيده في القرون العابرة وأوضح أن العناية بالتوحيد لأن الناس كانوا في وقت نزول القرآن وثنيين وإن وجد فيهم من يدعي التوحيد، وأما الوعد والوعيد فلأجل الضرورة إليهما لتقويم انحراف الناس وإصلاح فسادهم لأن الوعد هو تبشير العاملين بمقتضى