جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)

الجزء ١ · صفحة ٢١٧

هذا ما قاله السيد رشيد رضا في هذه المسألة وهو ناتج عن عمق فهمه وتوقد ذكائه ولعل الذين يقولون أن البسملة أنزلت للفصل بين السور يستدلون بما أخرجه أبو داود والحاكم وصححه على شرط الشيخين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعرف فصل السورة- وفي رواية انتهاء السورة- حتى ينزل عليه" بسم الله الرحمن الرحيم".

ولكن ليس في الحديث ما يدل على أنها تنزل استقلالا للفصل وإنما غاية ما فيه أن كل سورة تنزل كانت تصدر بالبسملة فيستدل بذلك النبي صلى الله عليه وسلم على انتهاء السورة التي قبلها واستقباله سورة جديدة تنزل بعدها ولو كانت لمجرد الفصل لما أثبتت في أول الفاتحة- كما ذكرناه عن صاحب المنار- لعدم تقدمها بسورة قبلها.

هذا ويرى جماعة من العلماء الجمع بين الروايات الجهر والإخفاء بما رواه الطبراني في الكبير والأوسط عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم وكان المشركون يهزأون بمكاء وتصدية ويقولون محمد يذكر إله اليمامة- وكان مسيلمة الكذاب يسمى "رحمن"- فأنزل الله تعالى(ولا تجهر بصلاتك) فتسمع المشركين فيهزءوا بك " ولا تخافت بها" عن أصحابك فلا تسمعهم....وقد قال في مجمع الزوائد إن رجاله موثقون وقال الحكيم الترمذي فبقي ذلك إلى يومنا هذا على ذكر الرسم وإن زالت العلة واعتمده القرطبي والنيسابوري في الجمع بين الروايات ويرى محمد رشيد رضا أن ترك الجهر كان في أول الإسلام بمكة وأوائل الهجرة والجهر فيما بعده وفي نفسي من هذه الرواية ما يجعلني غير واثق من صحتها وذلك لأمرين:

أولهما أن مسيلمة الكذاب لم يشتهر قبل الهجرة ولا في أوائلها وإنما اشتهر بالتنبؤ بعد ذلك وعندئذ لقب برحمن اليمامة فيبعد أن يستخف المشركون بمكة المكرمة بقراءة النبي صلى الله عليه وسلم عندما يسمعونه يذكر الرحمن معلقين عليه بأنه يقصد مسيلمة.

٢١٧ / ١٬٤٤٧