جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ١ · صفحة ٢٤٣وقيل "الرحمن" رحمن الدنيا والآخرة "والرحيم" رحيم الآخرة، وهو كسابقيه لا يستند إلى دليل ولعل عدم ظهور الحجة في التفرقة التي زعموها كان هو السبب في قول جماعة من المفسرين كالمحلي والصبان: إن الاسمين الكريمين بمعنى وإنما جيء بالثاني تأكيدا للأول وانتقد الإمام محمد عبده هذا الرأي قائلا: "ومن العجيب أن يصدر مثل هذا القول عن عالم مسلم وما هي إلا غفلة نسأل الله أن يسامح صاحبها" ثم قال:" وأنا لا أجيز المسلم أن يقول في نفسه أ و بلسانه إن في القرآن كلمة تغاير أخرى ثم تأتي لمجرد تأكيد غيرها بدون أن يكون لها في نفسها معنى تستقل به نعم قد يكون في معنى الكلمة ما يزيد معنى الأخر تقريرا أو إيضاحا ولكن الذي لا أجيزه هو أن يكون معنى الكلمة هو عين معنى الأخرى بدون زيادة ثم يؤتى بها لمجرد التأكيد لا غير بحيث تكون من قبيل ما يسمى بالمترادف في عرف أهل اللغة فإن ذلك لا يقع في كلام من يرمي في لفظه إلى مجرد التنميق والتزويق وفي العربية طرق للتأكيد ليس هذا منها، وأما ما يسمونه بالحرف الزائد الذي يأتي للتأكيد فهو حرف وضع لذلك ومعناه هو التأكيد وليس معناه معنى الكلمة التي يؤكدها فالباء في قوله تعالى: (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنْ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) (النساء/79) تؤكد معنى اتصال الكفاية بجانب الله جل شأنه بذاتها وهو معناها الذي وضعت له ومعنى وصفها بالزيادة أنها كذلك في الإعراب وكذلك معنى من في قوله: (الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) (البقرة/2، 1) ونحو ذلك أما التكرار للتأكيد أو التقريع أو التهويل فأمر سائغ في أبلغ الكلام عندما يظهر ذلك القصد منه كتكرار جملة(فبأي آلاء ربكما تكذبان) (الرحمن) ونحوها عقب ذكر كل نعمة وهي عند التأمل ليست مكررة، فإن معناها عند ذكر كل نعمة "أفبهذه