جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ١ · صفحة ٢٤٤النعمة تكذبان" وهكذا كل ما جاء في القرآن على هذا النحو) ويخلص الإمام بعد هذا الرد إلى اختيار القول باستقلال كل من لفظي "الرحمن" و" الرحيم" بمعنى ويرد استخراج المعنى الذي تدل عليه كل واحدة من اللفظتين إلى بنائها الحرفي فالرحمن على وزن فعلان وهذه الصيغة تدل على وصف فعلي فيه معنى المبالغة كفعال وهو مستعمل لغة في الصفات العارضة كعطشان وغرثان وغضبان وشبعان، و"الرحيم" على وزن فعيل وهذه الصيغة تستعمل لغة في المعاني الثابتة كالأخلاق والسجايا نحو سميع وبصير وعليم وحكيم وحليم وجميل والقرآن كالكريم عندما يخبر عن صفات الله لا يخرج عن الأسلوب العربي البليغ وإنما تعلو صفات الله عن مماثلة صفات المخلوقين ومن هنا يرى الأستاذ أن "الرحمن" يدل على من تصدر عنه آثار الرحمة بالفعل وهي إفاضة النعم على الخلق والإحسان إليهم وأن "الرحيم" يدل على مصدر هذه الرحمة ومنشأ هذا الإحسان وهو بهذا يثبت أن "الرحمن" صفة فعلية و"الرحيم" صفة ذاتية ثابتة له تعالى ويؤكد بهذه التفرقة أنه لا يستغنى بأحد الوصفين عن الآخر، ولا يكون مجيء الثاني لمجرد تأكيد الأول ويرى أن العربي إذا سمع وصف الله جل ثناؤه بالرحمن وفهم منه أنه مفيض النعم، وواهب الإحسان بالفعل لا يعتقد منه أن الرحمة من الصفات الواجبة له دائما، لأن الفعل قد ينقطع إذا لم يكن صادرا عن صفة لازمة ثابتة وإن كان كثيرا ولكن عندما يسمع لفظ الرحيم يكمل اعتقاده على الوجه الذي يليق بجلال الله ويرضيه سبحانه ويعلم أن لله صفة ثابتة وهي الرحمة التي يكون عنها أثرها وإن كانت تلك الصفة على غير مثال صفات المخلوقين ويكون ذكرها بعد الرحمن كذكر الدليل بعد المدلول ليكون برهانا عليه.