جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)

الجزء ١ · صفحة ٣١٤

الرابع: هداية الدين فإن العقل وحده لا يستطيع أن يقوم سلوك الإنسان المعوج ويهدي فكره المنحرف فإن أخطأ يتسلط عليه كما يتسلط على الحس وقد يتأثر عقل الإنسان بالجو الذي يعيش فيه والمحيط الذي يتربى وسطه فيستحسن ما يستقبحه غيره ويستقبح ما يستحسنه سواه، وقد تستعلي عواطفه أو رغباته على العقل فتطمس نوره وتوهن قواه ولذلك ينساق كثير من الناس- مع ما أوتوه من قوة التفكير- وراء شهواتهم وعواطفهم غير مبالين بالمصير الذي تؤديهم إليه بل يسخرون أحيانا طاقاتهم العقلية والحسية للوصول إلى ما يهدفون إليه من مقاصد دنئية بدلا من استخدام العقل فيما يؤولا إلى سعادة الإنسان الشخصية والنوعية ولا تقف رغبات الإنسان عند حد معين ولذلك كثيرا ما تقتضي به إلى التطاول إلى ما في يد غيره وعدم المبالاة بإمتهان كرامة بني جنسه فيؤدي الأمر إلى التنازع والتدافع والتقاتل والتفاني ولا تغني تلك الهدايات شيئا وهذا أمر مشاهد حتى في الشعوب والأمم التي تعد نفسها أرقى من غيرها حضارة ولا أدل على ذلك مما يحصل أحيانا في سلسلة الحروب الدولية، من إبادة شعوب أو استرقاقها وإهلاك الحرث والنسل بالوسائل العلمية التي تستخدمها عقول ضلت سبيل الرشد وأخفقت في بناء مجتمع بشري ينعم بالسعادة والهناء والإستقرار ومن ثم كان الإنسان بحاجة إلى هداية أسمى من الهدايات السابقة الذكر تملأ القلب خشية من سلطة غيبية أعلى وأجل من تصورات البشر ومدارك العقول والأفكار وتضع حدودا للأعمال ورسوما لكل ما تتطلبه حياة الإنسان فلا يعدو أحد على غيره كما تصل الإنسان بالغيب الذي يتطلع إليه وما هو يبالغه إلا من طريق هذه الهداية.

٣١٤ / ١٬٤٤٧