جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ١ · صفحة ٣٣١والإنعام أطلق في الآية الكريمة لأن من رزق نعمة التوفيق للخير فكأنما استجمع جميع النعم، والخير بأسره محصور في الإسلام فمن هدي إليه فقد جمع بين نعمة الحال والمآل وللعلماء رأيان في الكفرة هل يقال فيهم: إن الله أنعم عليهم أو يمنع ذلك؟ فالمعتزلة يجيزون هذا الوصف في غير المسلمين وأكثر علماء الكلام من غيرهم يمنعونه ونجد الفخر الرازي في تفسيره (مفاتيح الغيب) يستدل للقائلين بالمنع بأنه لو جاز نحو هذا الوصف في غير المؤمنين لأدى ذلك إلى دخولهم ضمنا في قوله سبحانه: (الذين أنعمت عليهم) وهذا يقتضي جواز أن يقول الإنسان في دعائه(إهدني صراط من أنعمت عليهم من القوم الكافرين) ولما امتنع ذلك بالإجماع ثبت لدينا عدم صدق وصف الإنعام على غير المؤمنين وأنت إذا تدبرت ما جاء من تقييد في نفس هذه الآية الكريمة إتضح لك بطلان ما يقوله الرازي فإن قوله سبحانه(غير المغضوب عليهم ولا الضالين) وصف تقييدي للمنعم عليهم، يخرج مما يقتضيه إطلاق لفظ الإنعام كل من لم يكن على طريقة أصحاب الصراط المستقيم المعنيين في الدعاء، ويدل على ذلك ما جاء في القرآن من تذكير الناس- مؤمنهم وكافرهم- بآلاء الله وقد يأتي الخطاب موجها إلى غير المؤمنين ومما ورد هذا المورد قول الله عز وجل: (يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة/21- 22) وقوله: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ