جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ١ · صفحة ٣٥٧وجمهور الأمة يحملون هذه الأحاديث على الوجوب حتى إن الفخر الرازي نقل عن ابي حامد الإسفرائيني انه حكى إجماع الصحابة رضوان الله تعالى عليهم على وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة من الصلاة وذكر جماعة عن أبي حنيفة والثواري والأوزاعي ما يدل على عدم وجوب قراءتها وذلك أنهم قالوا: إن تركها عامدا في صلاته كلها وقرأ غيرها أجزاه على اختلاف عن الأوزاعي في ذلك وقال أبو يوسف ومحمد ابن الحسن صاحبا أبي حنيفة: أقله ثلاث آيات أو آية طويلة: كآية الدين وذكر عن محمد بن الحسن أيضا أنه قال: أسوغ الإجتهاد في مقدار آية ومقدار كلمة مفهومه نحو الحمد لله ولا أسوغه في حرف لا يكون كلاما.
وذكر القرطبي عن الطبري أنه قال: يقرا المصلي بأم القرآن في كل ركعة فإن لم يقرأ بها لم يجزه إلا مثلها في القرآن عدد آياتها وحروفها، ونقل القرطبي عن ابن عبد البر قوله: وهذا لا معنى له لأن التعيين لها والنص عليها قد خصها بهذا الحكم دون غيرها ومحال أن يجيء بالبدل منها من وجبت عليه فتركها وهو قادر عليها وإنما عليه أن يجيء بها ويعود إليها كسائر المفروضات المتعينات في العبادة وذكر الحافظ ابن حجر في الفتح أن الحنفية يتفقون مع غيرهم على وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة لكن بنوا على قاعدتهم أنها مع الوجوب ليست شرطا في صحة الصلاة لأن وجوبها إنما ثبت بالسنة والذي لا تتم الصلاة إلا به فرض والفرض عندهم لا يثبت بما يزيد على القرآن وقد قال تعالى: (فاقرءوا ما تيسَّر مِنَ القرْآنِ )(المزمل/20) فالفرض قراءة ما تيسر وتعيين الفاتحة إنما يثبت بالحديث فيكون واجبا يأثم من يتركه وتجزيء الصلاة بدونه.