جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ١ · صفحة ٣٧غير أن بجانب هذه الإباحة في التحديث عن أهل الكتاب نجد النهي عن تصديقهم أو تكذيبهم فيما حدثوا به ما لم يتبين حقه أو باطله فقد روى البخاري أيضا عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال( إذا أنزل إلينا…الخ)، ومن هنا نفهم أن التحديث لأجل الاستشهاد لا الاعتماد كما يقول الحافظ ابن كثير في مقدمة تفسيره، وقد أخذ المتأخرون من علماء التفسير وغيرهم يمحصون هذه الروايات تمحيصا علميا فاتضح لهم بطلان كثير منها وقد أدى بهم ذلك إلى تكذيب كثير من أهل الكتاب الذين أسلموا ككعب الأحبار ووهب بن منبه بسبب عزو هذه الروايات إليهم. وممن صرح بتكذيبهما العلامة السيد محمد رشيد رضا في تفسيره المنار معتمدا في ذلك على خلو نسخ التوراة الموجودة الآن من كثير مما نسباه إليها وأبدى السيد رشيد رضا أسفه البالغ على اغترار الجرح والتعديل بهما، كما أبدى إعجابه بنباهة ابن تيميه الذي كان يميل إلى التحفظ من قبول ما يرويان وقد كان ذلك قبل أن يتبين كذبهما فكيف وقد تبين، ونحن نرى في المسارعة إلى تكذيبهما شيئا من الخطورة فإنهما بإسلامهما قد جبا كل ما سبق منهما قبله، وللمسلم حقوقه وحرماته منها: عدم رميه بكبيرة ما لم يصح ارتكابه لها والكذب من الكبائر خصوصا إن كان في أمور الدين ورجال الجرح والتعديل قد وثقوهما وقبلوا رواياتهما ولا نشك أنهم كانوا لا يسارعون إلى التوثيق أما ما نسب إليهما من عزو أشياء إلى التوراة لا توجد فيها فعلينا أن ننظر فيه من زاويتين:
الأولى: أسانيد تلك الروايات التي تتصل بهما، فإن الناس الذين كذبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ونسبوا إليه ما لم يقله وما لم يفعله لا يتورعون عن الكذب على كعب الأحبار ووهب بن منبه وغيرهما.