جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٢ · صفحة ٩فلما انكشف المر على خلاف ما كانوا يطمعون، زاغت أفكارهم واضطربت نفوسهم، واشتعلت بين جوانحهم نار الحسد، فضاعفوا جهودهم في الصد عن هذه الدعوة والافتراء عليها والتآمر على أهلها، تارة بتأليب المشركين خارج المدينة، وأخرى بتشجيع المنافقين داخلها.
السورة تصور أحوال كل فريق:
وتصور لنا بداية هذه السورة- وهي أول ما نزل في هذا الطور- طبيعة كل فريق من هذه الطوائف، فقد استهلت براعتها بإعلان أن الكتاب المنزل هدى للمتقين، وكشفت الستار عن صفاتهم التي يتحلون بها في الدنيا، وجلت المصير الذي ينقلبون إليه يوم القيامة، ثم عطفت العنان إلى فريق المشركين الذين جاهروا بعقيدتهم، ثم أفاضت في وصف الفريق الثالث- فريق المنافقين المذبذبين بين هؤلاء وهؤلاء- وكشفت أنواع المخازي التي يوارونها بأستار الخداع، ولأجل خطورة هذا الفريق على الدعوة ورجالها، ومؤامراتهم على الاسلام ونبيه، لم تقتصر السورة على مقدار يسير في تعرية أحوالهم، بل توالت ثلاث عشرة آية كل واحدة منها ذات دلالة واسعة على خطورة النفاق ومساوئ المنافقين. ثم واجهت البشر جميعا على اختلاف مسالكهم بدعوتهم إلى عبادة الله وتذكيرهم بآلائه المتمثلة في خلق الإنسان وخلق ما في هذا الكون، أرضه وسمائه، لتحقيق منفعته. وتخلل ذلك وعد بالثواب ووعيد بالعقاب، للحث على الخير والردع عن الشر، ثم ولي ذلك بيان خلق الإنسان والتعريف بمنصبه وهو الخلافة في الأرض، مع تحذيره مما يهدد أمنه من وساوس الشيطان ومكائده، وتبيان ما تقتضيه هذه الخلافة، وتستلزمه محاربة الشيطان من اتباع هدى الله، واستلهام الرشد من قبله.