جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)

الجزء ٢ · صفحة ١٠

ثم عات السورة فواجهت الفريق الرابع- وهم اليهود- واستهلت هذه المواجهة بتذكيرهم بنعم الله، التي من بينها تفصيل أسلافهم بما أوتوه من الهدى، وتعاقب رسل الله إليهم، ودعتهم إلى الوفاء بعهد الله، والإيمان بما أنزل مصدقا لما معهم، وحذرتهم أن يكونوا أول كافر به، وأن يشتروا بآيات الله ثمنا قليلا، وأن يلبسوا الحق بالباطل ويكتمون الحق، ودعتهم إلى إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ووبختهم على أمر الناس بالبر ونسيان أنفسهم.

ثم انقلبت بهم إلى قصتهم مع فرعون، ومنه الله عليهم إذ أنجاهم منه ومن آله، وفرق لهم البحر فأنجاهم وأهلك به فرعون ومن معه، ثم كشفت لهم تاريخهم الأسود في عهد موسى- عليه السلام- مبتدئة بتأليههم العجل وقولهم لموسى: ﴿ لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ﴾(1) ، وتبديلهم القول الذي قيل لهم، وما وراء ذلك من ضروب العناد وأنواع الفساد، مع تذكيرهم بكثير من آلاء الله التي كان يفيضها عليهم مع انحرافهم عن الصراط السوي، وعلمه بدخائلهم ابتلاء منه سبحانه واختبارا، وهكذا نجد أكثر من مائة آية من السورة الكريمة ذات علاقة ببني إسرائيل أتت تارة مذكرة وتارة منذرة وأخرى موبخة، كما انطوت على تحذير المؤمنين منهم، وتبصيرهم بمؤامراتهم ومكائدهم، وهي دليل على ما كان عليه اليهود في وقت نزول السورة من معاداة الحق ومضافرة الجهد للصد عنه، كما أنها دليل على شرتهم بظهور النبي العربي صلى الله عليه وسلم وانتشار دعوته وحسدهم المؤمنين على التئام شملهم بعد الفرقة، واتحاد كلمتهم بعد الاختلاف، وتواد طوائفهم بعد التباغض، وتآزرها بعد التنابذ، وتناصرها بعد التحارب.

اليهود يخسرون مكانتهم في المدينة:

(1) سورة البقرة الآية "55".

٣٨٦ / ١٬٤٤٧