جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٢ · صفحة ٨٨وبهذا التحرير يمكنكم فهم وجه تخصيص هدى الكتاب بالمتقين هنا وبالمؤمنين في قوله تعالى: ﴿ هدى وبشرى للمؤمنين ﴾(1) ، قوله: ﴿ هدى ورحمة للمحسنين ﴾(2) مع قوله في آيات الصوم من هذه السورة ﴿ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس ﴾(3) ، وقوله: ﴿ وما هو إلا ذكر للعالمين ﴾(4) ، ذلك لأن المؤمنين- وهم المتقون والمحسنون- هم المنتفعون بهداية القرآن، إذ لم يلبثوا عندما أشرق لهم نوره فأبصروا الحق أن اتبعوا عن حقائقه، ذلك لأنهم استحكم في نفوسهم التقليد الأعمى، فكان حاجزا حديديا بينهم وبين الانتفاع بهداه، وإن كان منشورا لجميع الناس ليس بينه وبينهم حائل إلا هذا العتو والاستكبار، وذلك معنى قول الحق تعالى: ﴿ وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ﴾(5) ، فهو شفاء لنفوس أهل الإيمان من أمراض الجهل والمعصية ورحمة لهم، لأنهم اتبعوه في الدنيا فاقتادهم إلى مواطن السلامة وبحبوحة السعادة، أما غيرهم من الذين أصروا واستكبروا استكبارا، فإنهم لم يزدادوا به إلا خسارا، لأنهم بتكذيبهم إياه، وإعراضهم عنه- بعد انبلاج حجته- ازدادوا كفرا إلى كفرهم، وضلال مع ضلالهم، وذلك المراد من قوله تعالى: ﴿ قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى ﴾(6) . فالهدى هنا هدى التوفيق، بخلافه في نحو قوله تعالى: ﴿ هدى للناس ﴾ ،فهو محمول على هدى البيان.
معنى التقوى ومجالاتها:
و ﴿ المتقون ﴾ جمع متق، وهو دال على الاجتناب، لأنه مأخوذ من وقاه يقيه فاتقاه؛ بمعنى: جنبه فاجتنبه.
(1) 1 ) سورة النمل الآية "2".
(2) 2 ) سورة لقمان الآية"3"
(3) 3 ) سورة البقرة الآية "185".
(4) 4 ) سورة القلم الآية "52".
(5) 5 ) سورة الاسراء الآية "82".
(6) 6 ) سورة فصلت الآية "44".