جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٢ · صفحة ٩٤والإنسان مطالب باستصحاب التقوى من بداية طريق حياته إلى نهايتها، لأنها محفوفة بالمخاطر، مفروشة بالأشواك، فإن كل خطوة يخطوها الإنسان مهددة بكمين، إما من غرائزه وشهواته، وإما من عواطفه ونزعاته، وإما من مطامعه ومطامحه، وإما من خوفه ورجائه، وهي طبائع موجودة في كل واحد منها سلاحا ذا حدين، وكان الإنسان على أي حال مطالبا يضبطها وتوجيهها إلى الخير والصلاح والبناء، والتقوى هي العامل الوحيد لضبطها وعدم إرسال العنان لها، والباعث على استخدامها فيما يعود بالمصلحة على صاحبها وعلى مجتمعه وأمته، وناهيك أن التقوى تستلزم تجريد النفس من كل خوف ورجاء إلا خوف خالقها ورجاءه، وبهذا يتضح لك أن الحركات النفسية داخلة في مدلول التقوى، وهو الذي يقتضيه قوله تعالى: ﴿ ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب ﴾(1) ، وقوله : ﴿ أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ﴾(2) . وقد صرح بذلك صلى الله عليه وسلم في قوله: " التقوى هاهنا" وأشار إلى قلبه.
وتدخل في ضمن التقوى أقوال الخير كما تدخل أعماله، بدليل قوله تعالى: ﴿ وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق به وأهلها ﴾(3) .
وليس قوله صلى الله عليه وسلم: " التقوى هاهنا" بمقتض حصر التقوى في صفات القلب، وإنما يشير إلى صلاح القلب هو أساس لصلاح الأعمال، لأنه سلطان الجوارح الذي يوجهها، إما إلى الخير وإما إلى الشر، كما جاء في حديث النعمان بن بشير عند الشيخين:"… ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب".