جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٢ · صفحة ١٢٥ثالثها: أنها مأخوذة من إقامة السوق؛ إذا أعد لها الإعداد التام، حتى تصير رائجة الزبائن؛ لأنها بالمحافظة التامة عليها تكون بخلاف ما إذا أهملت منه قوله الشاعر:
وإذا يقال أتيتم لم يبرحوا … ... حتى تقيم الخيل سوق طعان
وقول آخر:
أقامت غزالة سوق الطعان … ... لأهل العراقين حولا قميطا
وقول غيره:
أقمنا لأهل العراقين سوق الضـ … ـراب فخاسوا وولوا جميعا
رابعها: أن إقامتها عبارة عن استجماع الهمة وتحريك العزيمة لأدائها؛ من قولهم قام بالشيء إذا اشتدت به همته، وبالغ بالعناية بإتمامه، ويقال في الضد: قعد عن الشيء أو نام عنه، إذا استخف به، ولم يتمم لوازمه، ومن المعلوم أن يقام في العمل لا يكون إلا لداعي الاهتمام به، كقيام الخطيب في خطبته فإنه دليل على اهتمامه بما يتحدث به وحرصه على وصوله إلى مسامع الحاضرين، وولوجه إلى أذهانهم، وامتزاجه بأفهامهم، وكذلك قيام الصانع في صنعته، وهكذا، ويدل كذلك على صعوبة ما يمارسه القائم من القول والعمل.
وثم وجه آخر؛ وهو أن ذكر الإقامة جاء تنويها بالقيام في الصلاة، لأنه ركن من أركانها، وجزء مهم من أعمالها، ولاحظ عليه قطب الأئمة- رحمه الله- في الهيميان بأن الجزء الذي يذكر عن الكل يلزم أن يكون جزءا مهما، وكل من الركوع والسجود أدل على الخضوع وأقرب إلى الخشوع من القيام، فكيف يذكر دونهما مع قصد الصلاة نفسها، وأجاب عن هذه الملاحظة بأن للقيام في الصلاة أهمية لا تقل عن أهمية الركوع والسجود، لأنه يدل على غاية الامتثال ومنتهى التذلل. ومثله فيها مثل ما يكون من المحكومين أما الحاكمين، والمرؤوسين أما الرؤساء، ومن هنا أمر الله تعالى بالقيام بين يديه في قوله: ﴿ وقوموا لله قانتين ﴾(1) وذلك في الصلاة قطعا.
(1) 3 ) سورة البقرة الآية "238".