جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٢ · صفحة ١٢٦وما ذكرته أولا من تفسير إقام الصلاة معناه محكي عن بعض السلف، فقد خرج ابن جرير عن عكرمة وسعيد بن جبير عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أنه قال: " المراد "بيقيمون الصلاة" أنهم يقيمونها بفروضها، وروي عنه من طريق الضحاك أنه قال: إقام الصلاة تمام الركوع والسجود والتلاوة والخشوع، والإقبال عليها فيها، وأخرج عبد بن حميد عن قتادة: أن إقامة الصلاة المحافظة على مواقيتها ووضوئها وركوعها وسجودها، ولا يعد هذا اختلافا بينهم لأنه ناشئ عن اختلاف مقامات السؤال بحسب أنظار المحبين إلى أحوال السائلين، أو إلى الظروف الملابسة لسؤالهم، وقد تقدم أن مثل هذا لا يعد خلافا.
وأكثر المفسرين على أن المراد بالصلاة هنا الصلوات المفروضة لأنها هي التي يتوقف عليها الفلاح، كما في حديث الأعرابي: "أفلح إن صدق"، ونسب ذلك ابن جرير إلى الضحاك، ونسب أيضا إلى ابن عباس- رضي الله عنهما- ولا مانع من دخول صلاة النفل فيها تبعا، نظرا إلى أن من صفات المتقين المسابقة إلى كل ما يقربهم إلى الله كما هو شأنهم، وكما يدل عليه وصفهم في القرآن.
معنى الصلاة لغة واصطلاحا:
وأصل الصلاة عند العرب الدعاء، ومنه قول الشاعر:
تقول بنتي وقد قربت مرتحلا … ... يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا
عليك مثل الذي صليت فاغتمضي … ... نوما فإن لجنب المرء مضطجعا
وقول غيره:
وقابلها الريح في دنها … ... وصلي على دنها وارتسم
وقول الأغشى:
لها حارس لا يبرح الدهر بيتها … ... وإن ذبحت صلى عليها وزمزما
ويرى ابن جرير أن الصلاة نقلت من هذا المعنى اللغوي إلى معناها الشرعي- وهو العبادة المخصوصة المفتتحة بالتكبير المختتمة بالتسليم المشتملة على القيام والقعود والركوع والسجود مع التلاوة والتسبيح والتعظيم- لأن المصلي متعرض لاستنجاح طلبته من ثواب الله لعلمه مع ما يسأل ربه فيها من حاجاته؛ تعرض الداعي بدعائه ربه لاستنجاح حاجاته وسؤله(1) .
(1) 1 ) تفسير ابن جرير حـ1 ص81 ط دار الباز.