جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)

الجزء ٢ · صفحة ١٧٤

وأما عدم اقتران الاشارة الأولى بضمير الفصل واقتران الثانية به، فلأجل الترقي في العبارة، ونحوه ما في سورة لقمان مع اتحاد المشار إليه، كما تقدم بيانه. وكذلك في هذه السورة في قوله تعالى بعد وصف الصابرين: ﴿ أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون ﴾ . وقد بين الله سبحانه اختصاص هؤلاء المتقين بالهدى، بيانا يصور لك هذه الحقيقة المعنوية، ويجليها في صورة المحسوس، حيث قال: "على هدى" دون أولئك أصحاب هدى مثلا، لأن "على" دالة على الاستعلاء، وهو يقضي بتمكن المستعلي من المستعلى عليه، وقدرته على تصريفه وترويضه، فهؤلاء المتقون متمكنون من الهدى تمكن الراكب من مركوبه، وفي الاستعارة التي ينطوي عليها هذا التعبير وجوه:

أولها: أنها تعبية نظرا إلى ان المستعار الأصلي هو الاستعلاء، ثم سرت إلى الحرف الدال عليه وهو (على) وقد جنح إلى هذا الوجه السيد الجرجاني وحمل عليه صاحب الكشاف.

ثانيها: أنها تمثيلية، لأن المشبه هيئة منتزعة من عدة أشياء وهو المتقون والهدى، وتمكنهم منه، والمشبه به صورة منتزعة من أشياء متعددة كذلك وهي الراكب والمركوب والاستعلاء، ثم طويت المشبهات لحلول المشبه بها محلها على طريق الاستعارة، وأظهرت (على) من بين الصورة المستعارة لأنها العمدة في هذا التشبيه من بين سائر أركانه، وتدخل بقية الأركان ضمن ألفاظ منوية وإن لم يقتضها سياق الكلام، ولم يبعد الجرجاني هذا الوجه.

ثالثها: أن تكون مكنية مرموزا إلى جملتها بعلى الدالة على الاستعلاء الذي هو لازم التشبيه المقصود وكثير من الناس يسمونها تخيلية.

٥٥٠ / ١٬٤٤٧