جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٢ · صفحة ١٨٣هذا وتأول بعض المفسرين (الذين كفروا) بمعنى الذين قضي عليهم بالكفر والشقاء، وجعله نظير لقوله سبحانه: ﴿ إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ﴾(1) ،وهو تأويل غير مقبول لأن اللفظ لا يقتضيه والقرائن لا تساعد عليه ومهما يكن المعنيون في الآية، فإن عدم اهتدائهم بالقرآن إنما هو الأمر يعود إلى نفوسهم لا إلى القرآن، ولا يخل ذلك بوصفه بالهداية، ولا يدل على نقص دلالته على الخير فهو كما أخبر الله عنه "ذكر للعالمين" ،" وهدى للناس"، وما مثل الذين عميت بصائرهم عنه، ونبتت عقولهم عن قبوله، إلا كمثل الخفافيش التي تأنس إلى الظلام وتستوحش من النور والضياء، ولا يقل ذلك من قيمة الضوء، فحال هؤلاء لا ينافي ما وصف به القرآن.
والآية وإن كانت تفيد العموم- بناء على أن الموصول يفيد الجنسية، والجنس يقتضي الاستغراق- فإنها قد خصصت بالمشاهدة فكثير من مشركي العرب ومن أهل الكتاب آمنوا بعد كفرهم، وأسلموا بعد عنادهم، فهي من باب العموم الذي يراد به الخصوص، كالآية التي سبق الاستشهاد بها من سورة (يس)، وكقوله سبحانه في أهل الكتاب: ﴿ ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك ﴾ ، وإنما هذا الوصف في قوم حقت عليهم كلمة الله كما أخبر عز وجل بقوله: ﴿ إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم ﴾ .
الكفر قسمان:
وأصل الكفر الستر والاخفاء ومنه تسمية الزارع كافرا، كما في قوله تعالى: ﴿ يعجب الكفار نباته ﴾(2) .