جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)

الجزء ٢ · صفحة ١٩٧

ومن المعلوم أن الله هدى كل أحد السبيل وفتح لكل من شاء أبواب الرشاد، فانحراف الانسان إلى مسالك الغواية ليس بسبب حيلولة القدر بينه وبين الرشد، وإنما هو باستحباب نفسه، كما أخبر الله عن ثمود بقوله: ﴿ وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى ﴾(1) ، والله يعلم ما اشتملت عليه طوايا الأنفس وحنايا الظمائر فلا غرو في إخبار عمن أخبر عنه بعدم الايمان مع دعوته إليه، إذ الخبر إنما هو عما علمه الله من هوى نفسه وميلولة رغبته.

وبهذا يندفع الاعتراض الذي تصوره الامام ابن عاشور في دعوة أمثال هؤلاء إلى الحق مع العلم بعدم استجابتهم، ولا داعي إلى ما أجاب به من أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقصد أحدا بعينه من هؤلاء الذين ماتوا مصرين على الكفر فيخصه بالدعوة إلى الايمان كما صنع مع عمر بن الخطاب حين جاءه، إذ قال له: أما آن لك يا ابن الخطاب أن تقول: لا إله إلا الله؟ وكما صنع مع غيره ممن أسلم.

وكلامه هذا دعوى لم تنهض بها حجة ومن أين له أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يدع أحدا بعينه ممن أسلموا إلى الاسلام، مع قوله تعالى: ﴿ لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون.... ﴾ . إلى قوله: ﴿ .. لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون ﴾(2) .

ودعوته صلى الله عليه وسلم لم تختلف عن دعوات النبيين من قبله في حيثية الاتجاه إلى جميع من أرسل إليهم، سواء من رفق لقبولها منهم ومن لم يوفق، وقد أرسل الله موسى وهارون- عليهما السلام- برسالة الحق إلى فرعون الكافر العنيد، الذي سبق في علم الله أنه سيموت على كفره وضلاله، وامرهما أن يقولا له قولا لينا، وبين هذا القول اللين قوله تعالى: ﴿ فقل هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى ﴾(3) .

(1) 3 ) سورة فصلت الآية "17".

(2) 1 ) سورة يس الآية "6، 7".

(3) 2 ) سورة النازعات الآيتان "18، 19"

٥٧٣ / ١٬٤٤٧