جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٢ · صفحة ٢٠٣انني أميل إلى أن المراد من هذه الأحاديث تصوير الرسول صلى الله عليه وسلم ، ما يعروا القلوب بسبب المعصية من الانقباض عن الحق، واستثقاله والانبساط للباطل، والارتياح له، في صورة الأمر المحسوس تيسيرا للأفهام، وتقريبا للأذهان، كما هو شأنه صلى الله عليه وسلم في غالب كلامه.
والغشاوة ما يغشى العين من موانع الابصار، كما قال الشاعر:
صحبتك إذ عيني عليها غشاوة … ... فلما انجلت قطعت نفسي ألومها
وأصلها بمعنى العطاء، وإنما اقتصرت على الأبصار وألحقت الأسماع بالقلوب في الختم ليتفق ما في هذه الآية مع ما في قوله تعالى: ﴿ وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة ﴾(1) ، ولأن الغشاوة أنسب بالأبصار، والختم بالقلوب والأسماع، لأن الختم من شأنه أن يكون على المستور المكنون، وهكذا موضع حس السمع، وموضع إدراك العقل، أما حاسة البصر فهي منكشفة ظاهرة فلذلك كانت الغشاوة هي المناسبة لها.
هذا وما أصاب هؤلاء من الختم على قلوبهم، وعلى أسماعهم، وغشاوة أبصارهم، ليس إلا نتيجة إصرارهم على الكفر، وإخلادهم إلى الضلال، كما يدل عليه قوله سبحانه: ﴿ فيما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا ﴾(2) ، وقوله: ﴿ ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم ﴾(3) .
وهذا لأن الاسترسال في العصيان والاستسلام لمطالب الشيطان يؤديان إلى الهبوط في دركات المعاصي، وحضيض الضلال، حتى يحرم صاحب ذلك من عناية الله التي تفك عنه أغلال الغواية وتخلصه من حبائل الهوى.