جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٢ · صفحة ٢٢٧ثالثها: حمل هذا التعبير على الاستعارة التمثيلية تشبيها لما يحصل- من إملاء لهم والابقاء عليهم ومعاملة المؤمنين إياهم معاملة أنفسهم في إجراء أحكام الاسلام عليهم- بفعل من يخدع غيره بمختلف الأساليب في المعاملة، كما تشبه بذلك أيضا حالتهم في خداعهم بقوله: ﴿ وما يخدعون إلا أنفسهم ﴾ ، حيث نفى سبحانه أن تكون مغبة هذا الخداع واقعة إلا عليهم، لأنهم الذين يجنون ثمرتها المرة، ويكابدون غصصها المؤلمة، وقد تبادر للسامع أو القارئ وجود تناقض بين ما في صدر الكلام وعجزه، حيث أثبتت تعالى أولا أنهم يخادعون الله والذين آمنوا ثم نفى ما أثبته ضمن قوله: ﴿ وما يخدعون إلا أنفسهم ﴾ .
والجواب أن المنفي غير المثبت، فما عبر عنه بالخداع أولا هو تلك الأقواع والأعمال التي كانوا يبدونها مع انطوائهم على نقائضها، ثم أطلق اسم الخداع على لازم معاملتهم، وهو الضر الماحق والعاقبة الوخيمة، وذلك واقع بهم دون غيرهم كما علمت، وهذا من باب المجاز على المجاز، لأن المخادعة استعيرت أولا لما استعيرت له من معاملتهم للمؤمنين ودين الله، ثم نزلت منزلة الحقيقة فاستعملت مجازا في لازم ذلك المعنى الذي استعيرت له.
وهذه الجملة حال من فاعل (يخادعون) في الجملة التي قبلها، وفيها قراءتان مشهورتان:
الأولى: ( وما يخدعون) وبها قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي من السبعة كما قرأ بها أبو جعفر ويعقوب، من سائر العشرة.