جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٢ · صفحة ٢٢٨والثانية: (وما يخادعون) بزيادة ألف المفاعلة، وبها قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو، من السبعة، وخلف من بقية العشرة. وثم قراءات أخرى من الشواذ غير المعول عليها، ولا إشكال في القراءة الأولى، وإنما الاشكال في الثانية لاقتضائها في المشاركة التي لا تصدر إلا عن جهتين فصاعدا، مع أن الجهة هنا متحدة ويندرئ الاشكال باعتبار أن من يقدم على جريرة من الجرائر لابد له أن تتفاعل في نفسه خواطر متضادة منها ما ينشأ عن بصيرة العقل ووحي الضمير ومنها ما ينشأ عن رعونة العواطف واضطراب الهواجس، فيتولد ما يشبه العداوة بين الجانبين، ويظل المرء في تردد بين إقدام وإحجام، حسب إصغائه تارة إلى صوت العقل، وأخرى إلى داعي الهوى.
ومن ثم جاءت هذه القراءة هنا مصورة لعداوة تنجم بين هؤلاء المنافقين ونفوسهم الداعية إلى الخير بطبيعة الفطرة، وصورت ما يصدر منهم من شغلها بالأماني واقتيادها إلى الشر بالمخادعة، وفي كلام العرب ما ينحو هذا المنحنى في التعبير، كقول عمرو بن معد يكرب:
فجاشت علي النفس أول مرة … ... فردت على مكروهها فاستقرت
وقول عروة بن أذينة:
وإذا وجدت لها وساوس سلوة … ... شفع الفؤاد إلى الضمير فسلها
وربما جعلوا هذه النوازع المتباية نفسين مختلفين في شخص واحد، كقول بعض الأعراب:
لم تدر ما (لا) ولست قائلها … ... عمرك ما عشت آخر الأبد
ولم تؤامر نفسيك ممتريا … ... فيها وفي أختها ولم تكد
وقول آخر:
يؤامر نفسيه وفي العيش فسحة … ... أيستوبع الذوبان أم لا يطورها(1)
وقول غيره:
وكنت كذات الضني لم تدر إذ بغت … ... تؤامر نفسيها أتسرق أم تزني؟
ويحتمل أن يكون خادع هنا بمعنى خدع مع قصد المبالغة كما تقدم في تفسير الآية، وبناء على ذلك يكون معنى القراءتين واحد.
(1) كذا في البحر المحيط لأبي حيان ولم أجد البيت في غيره، والظاهر أن الصواب " يستوعب" بتقديم العين على الباء الموحدة بمعنى يستأصل، والذوبان: اللصوص، ويطلق على الصعاليك، ويطور :يقرب.