جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٢ · صفحة ٢٥٢ثانيها: أن ترك قتلهم لأن الزنديق- وهو الذي يبطن الكفر ويظهر الايمان- يستتاب ولا يقتل، أجاب به بعض أصحاب الشافعي، ووهنه ابن العربي بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يستتبهم إذ لم يرو ذلك أحد عنه، وكان يعرض عنهم ولا يتعرض لهم مع علمه بهم.
ثالثها: أنه - صلى الله عليه وسلم - كف عنهم رعاية لمصلحة الأمة والدين، فقد كان يخشى لو تعرض لهم أن ينفر عنه قلوبا هو أحوج إلى تأليفها وإلى ذلك يشير جوابه - صلى الله عليه وسلم - لعمر- رضي الله عنه- حيث قال له: " معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي" رواه الشيخان. ومثل ذلك إعطاؤه - صلى الله عليه وسلم - للمؤلفة قلوبهم مع علمه بسوء اعتقادهم، ونسب هذه الاجابة القرطبي إلى علماء المالكية، وبمثله يوحي كلام ابن عطية، وذكر أنه ممن نص على ذلك من أصحاب مالك محمد بن الجهم والقاضي إسماعيل والأبهري وابن الماجشون، واستدل لذلك قوله تعالى: ﴿ لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغزينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا ﴾(1) ، فإن ذلك منوط بإعلانهم النفاق كما قال قتادة.
وهذا ينافي ما روى عن مالك وبعض المالكية أن ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - قتل المنافقين ليبين لأمته أن الحاكم لا يحكم بعلمه، إذ لم يشهد على المنافقين وهذا يتفق مع الجواب الأول.
وذكر القاضي إسماعيل أن عبدالله بن أبي لم يشهد عليه إلا زيد بن أرقم، وكذلك لم يشهد على الجلاس بن سويد إلا ربيبه عمير بن سعد، ولو شهد على أحدهما رجلان بكفره ونفاقه لقتل، وروى عن مالك: " النفاق في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الزندقة فينا اليوم، فيقتل الزنديق إذا شهد عليه بها دون استتابة" وهو أحد قولي الشافعي.
(1) سورة الأحزاب الآيتان " 60، 61"