جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٢ · صفحة ٢٥٣واحتج الشافعي للقول الآخر بأن السنة فيمن شهد عليه بالزندقة فجحد وأعلن الايمان وتبرأ من كل دين سوى الاسلام أن ذلك يمنع من إراقة دمه، فإن امتناع النبي - صلى الله عليه وسلم - من قتل المنافقين لما كانوا يظهرونه من الاسلام مع العلم بنفاقهم لأن ما يظهرونه يجب ما قبله، وبهذا القول قال أصحاب الرأي وأحمد والطبري وآخرون.
ولا يسلم للشافعي أن السنة فيمن شهد عليه بالنفاق فتبرأ مما نسب إليه أن يمسك عن قتله لأن المنافقين في عهده - صلى الله عليه وسلم - كانوا محتاطين لأنفسهم فلا يبوحون بما يقطع بكفرهم عند من تقوم عليهم بهم الحجة من المؤمنين، وإن استدل على طواياهم بفلتات ألسنتهم وقرائن أحوالهم، فليس في ذلك ما يعد بينة يصح بها القتل.
واستدل الطبري لما ذهبوا إليه بتكذيب الله تعالى ظواهر المنافقين في قوله: ﴿ والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ﴾ ،وتعقبه ابن عطية بأن للمالكية أن ينفصلوا عما ألزموا بهذه الآية بأنها لم تعين أشخاصهم وإنما توبيخها يشمل كل مغموض عليه بالنفاق، وبقى لكل واحد منهم أن يتخلص بدعوى أنه لم يرد بها وأنه مؤمن، ولو عين أحد لما جبّ كذبه شيئا، وتعقب القرطبي هذا التعقب بأن هذا الانفصال فيه نظر فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعلمهم أو يعلم كثيرا منهم بأسمائهم واعيانهم بإعلام الله تعالى إياه، وكان حذيفة- رضي الله عنه- يعلم ذلك بإخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - له، حتى أن عمر- رضي الله عنه- كان يشفق أن يكون منهم، فيقول له: يا حذيفة؛ هل أنا منهم؟ فيقول له: لا.
هذا وقد سبق ما يدلك على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يحيط علما بجميع المنافقين، وإنما يعرف بعضهم بإخبار الله عنهم أو بتشخيص الوحي لأحوالهم.