جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)

الجزء ٢ · صفحة ٢٦٣

وأنت إذا تدبرت ما أسلفناه من أن الحديث عن المنافقين في القرآن لا ينحصر في تلك الطائفة التي كانت في عهد النبوة وأنه يتجه إلى كل من شاكلهم في أي عصر، أدركت رجحان الرأي الأخير على أنه مما ينبغي ألا يغفل عنه أن في ذكر الأرض تنبيها لأولئك المفسدين المخاطبين بأن عاقبة فسادهم تنقلب عليهم بالمضرة، وتعود عليهم بالخسران، فالأرض مهادهم في حياتهم، عليها يستقرون، ومثواهم بعد مماتهم إليها يرجعون، ومصدر كثير من نعم الله عليهم، وقد أعدت بما جهزت به من مختلف الطبائع لأن تكون صالحة للاستقرار، ومتلائمة مع سنن الكون ونواميس الوجود ففساد المفسدين فيها ينعكس أثره السلبي عليها، ولذلك تكرر تحذير الانسان من الافساد في الأرض، وتوبيخ المفسدين فيها في آي القرن، نحو قوله عز وجل: ﴿ ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ﴾(1) ، وجاء في القرآن ما يدل على أن الاستقامة على منهج الله من أسباب استمرار الخير، وحصول المنافع، وتتابع النعمة، فالله تعالى يقول: ﴿ وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا ﴾(2) ، ويحكي عن نوح- عليه السلام- قوله لقومه: ﴿ استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا ﴾(3) . وكثيرا ما تكرر في القرآن تذكير الانسان بنعمة الله عليه بخلق الأرض وما فيها لأجله، وبتهيئة أسباب عيشه وراحته فيها، ومنه قوله تعالى: ﴿ والأرض بعد ذلك دحاها أخرج منها ماءها ومرعاها والجبار أرساها متاعا لكم ولأنعامكم ﴾(4) ، وقوله ﴿ فلينظر الانسان إلى طعامه أنا صببنا الماء صبا ثم شققنا الأرض شقا فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا وحدائق غلبا وفاكهة وأبا متاعا لكم ولأنعامكم ﴾(5) ،

(1) 1 ) سورة الأعراف الآية "56".

(2) 2 ) سورة الجن الآية "16".

(3) 3 ) سورة نوح الآيات "10- 12"

(4) 4 ) سورة النازعات الآيات "30- 33".

(5) 5 ) سورة عبس الآيات "24- 32"..

٦٣٩ / ١٬٤٤٧