جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٢ · صفحة ٢٧٥وأطلق على الطيش، واضطراب الرأي وسوء التدبير لما يستلزم ذلك من خفة النفس وعدم استقرار أفكارها، ولذلك وصف القرآن المبذرين للأموال بالسفه لفقدانهم الضبط، ومنه قوله تعالى: ﴿ ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ﴾(1) ، وقوله: ﴿ فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا ﴾(2) ، ويطلق السفة في الاسلام على تفويت المنفعة العاجلة أو الآجلة، ومنه قوله سبحانه وتعالى: ﴿ ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ﴾(3) .
وقد انتصر الله سبحانه لعباده المؤمنين وحزبه المفلحين من أعدائهم المنافقين بأن سجل عليهم صفة السفه التي رموهم بها ووسمهم مع ذلك بالجهل، وما أضل من حكم الله عليه بالسفة، وما أحير من رماه تعالى بالجهل.
وجاء الرد مصدرا بأداة الاستفتاح ومؤكدا بحرف التأكيد، ومعرفا طرفاه- وهما المسند والمسند إليه مع توسيط ضمير الفصل بينهما- كل ذلك لتأكيد الدلالة على أن السفاهة مقصورة عليهم دون المؤمنين الذين وسموهم بها، وقد جعل سفههم من الظهور بحيث لا يخفى على متأمل، ولكن جهلهم بالأمور هو الذي حال بينهم وبين إدراكه ولذلك ذيلت الآية بقوله ﴿ ولكن لا يعلمون ﴾ .
وجاءت هذه الفاصلة مغايرة لما قبلها ،ففي تلك نفي عنهم الشعور، وفي هذه نفي العلم اعتبارا لما وصفوا به في المقامين، فثم وصفوا بالفساد، والفساد أمر محسوس يتجلى لكل من له نظر؛ لما يترتب عليه من إهاجة الفتن وسفك الدماء وتقطيع الصلات وإثارة الأضغان وتأجيج الأحقاد، وما من شيء من ذلك إلا وضرره معلوم، وخطره محسوس، فإيثار التلبس به لا يكون إلا ممن بلغت به البلادة وانطماس الفكر إلى فقدان الإحساس، وهنا وصفوا بالسفه المنافي للعلم، فاقتضى المقام أن ينفي عنهم العلم ليتم الطباق بين ما أثبت لهم وما نفي عنهم.