جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)

الجزء ٢ · صفحة ٢٩٣

هذا معنى كلامه وهو مبني على ما تقدم ذكره عنه أنه يرى أن المنافقين المعنيين في الآيات كانوا من اليهود وحدهم، ولغيره أن يتعقب تفسيره للاشتراء بأن المعاوضة التي تكون بين طرفي المبايعة اللغوية غير موجودة هنا، إذ لم يكن فريق آخر دفعوا إليه ما كان يطلقون هذا اللفظ أحيانا على مطلق الاستبدال من غير مراعاة للقيود التي ذكرها، كالشاهد المتقدم:

فإني شريت الحلم بعدك بالجهل

إذ لم يكن في ذلك طرفان، بائع ومشتر، ولا فائدة في هذا الشراء حقيقة أو وهمية، وقد أخرج ابن جرير عن ابن مسعود- رضي الله عنه- أنه قال:" أخذوا الضلالة وتركوا الهدى"، ومثله عن ابن عباس وأناس من الصحابة- رضوان الله عليهم-، وأخرج هو وابن أبي حاتم وعبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة أنه قال: " استحبوا الضلالة على الهدى" ويعضده قول الله سبحانه: ﴿ وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى ﴾(1) .

وفسر ابن عباس- رضي الله عنهما- الضلالة هنا بالكفر، والهدى بالايمان وقد تقدم معنى الكلمتين في تفسير الفاتحة الشريفة.

ولسائل أن يسأل، كيف استعاضوا الضلالة بالهدى مع أنهم لم يكونوا مهتدين من قبل، على أن قطب الأئمة- رحمه الله- فسر في هيميانه اشتراءهم الضلالة بالهدى على الضلالة وإعراضهم عن الهدى.

والجواب أنهم كانوا متمكنين من الهدى، إذ لم يكونوا مكرهين على الضلالة، وقد لاحت لهم أعلام الحق، وأشرقت بين أيديهم أنوار الحقيقة، وإنما رفضوه من تلقاء أنفسهم على أن الدين القويم هو نفسه فطرة الله التي فطر الناس عليها، فما من أحد إلا هو مفطور عليه، غير أن البيئات الفاسدة، والتربيات المنحرفة وإيثار العاجلة على الآجلة هي السبب في انتزاع هداية الدين، والحاجز بين النفس والانتفاع بهذه الهداية.

(1) سورة فصلت الآية "17".

٦٦٩ / ١٬٤٤٧