جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)

الجزء ٢ · صفحة ٢٩٤

ومن المفسرين من يحمل هذا الوصف على قوم آمنوا من قبل ثم ارتدوا في سريرتهم، وهم المعنيون بقوله تعالى ﴿ كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم ﴾(1) ، وقوله ﴿ ذلك بانهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون ﴾(2) ، وهو معنى ما أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم، وعبد بن حميد ومجاهد، قال آمنوا ثم كفروا، وهو مقتضى قول قتادة: قد والله رأيتموهم خرجوا من الهدى إلى الضلال ومن الجماعة إلى الفرقة ومن الأمن إلى الخوف ومن السنة إلى البدعة.

وانتقد ابن جرير من قال إن هذا الوصف فيمن آمن ثم كفر، لأن السياق يأبى ذلك، فإن كل ما في سورة البقرة من وصف المنافقين دال على أن الايمان لم يصل إلى سويداء قلوبهم في وقت من الأوقات وإن ادعوه بأطراف ألسنتهم، وهذا يعني أن فريق المنافقين المذكور هنا غير الذين ذكروا في قوله ﴿ ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا ﴾ ، وقوله ﴿ كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم ﴾ .

ولما كان كل من المتابعين يسعى إلى الريح، إذ هي ثمرة التجارة ومطمح التجار، عقب ما تقدم ببيان أن هؤلاء المنافقين فشلوا في سعيهم، وخابوا في أملهم، ومن المعلوم قطعا أن من آثر الضلال على الهدى، واختار الكفر على الايمان، فقد بذل ما ينفع في مقابل ما يضر، وتلك هي الخسارة العظمى، وإنما عدل عن التنصيص على خسرانهم إلى نفي ربحهم للتنبيه على أنهم كانوا بصنيعهم يهدفون إلى مكاسب يبتغونها، ومنافع يتصورونها أجدى لهم من هداية الدين، ولما كانت تلك المنافع لا توازي شيئا بجانب ما افتقدوه من الهدى مع ما كان ينغصها عليهم من الخوف والحذر، نفي عنهم الربح لعدم الاعتداد بها، ومن المعلوم أنهم أضاعوا رأسمالهم بهذا العسف، ففقدوا الطلبتين بقاء رأس المال وحصول الربح ولما كان انتفاء الربح مترتبا على الاشتراء عطف عليه بالفاء.

والتجارة هي صنعة التاجر والربح طلبته منها.

(1) 2 ) سورة آل عمران الآية "86".

(2) 3 ) سورة المنافقون الآية "3".

٦٧٠ / ١٬٤٤٧