جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ١ · صفحة ٦٨وهذا الذي ذكره الله عنهم في قوله"وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ" ( فصلت/26) ومع هذه المحاولات المختلفة لإطفاء نوره وإخفات صوته فقد تألق ومزق بسطوعه ظلمات الجاهلية فما لبثت جزيرة العرب أن تحولت برمتها إلى الإسلام، كل ذلك في ظرف عقدين من السنين وهو أمر غريب في تاريخ الدعوات ومن درس تاريخ الأمم وحركات الإصلاح أدرك أن هذا التحول ليس من مألوف البشر بل دعوات المرسلين السابقين لم يكن لها هذا الأثر في الأمم وإن كانت مقترنة بمعجزات حسية والقرآن نفسه يقص علينا نبأ نوح الذي لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى الله ويخوفهم عقابه فما كان منهم إلا أن أعاروه آذانا صما ونبزوه بالألقاب ورموه بالسخرية وموسى عليه السلام الذي شق له البحر شقا فجازه مع نبي إسرائيل ما كاد قومه يستقرون بعد اجتياز البحر حتى قالوا له"اجعل لنا إلها كما لهم آلهة" ( الأعراف/138) " وقالوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً " ( البقرة/55) وظل يعاني منهم عنتا طويلا مع كل الآيات التي تتجلى لهم وبقوا في التيه أربعين عاما حتى نشأ جيل آخر لم يتلوث بما تلوث به ذلك الجيل العنيد وهذا يدلنا على نقل أمة من طبيعتها في جيل واحد ليس من الأمور المألوفة ولا يكون إلا بمدد غيبي من عزيز حكيم.
تحول العرب من حياة الجاهلية إلى الإسلام