جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٢ · صفحة ٣٠٧وإذا رجعت تتأمل ما أوردته من آراء السلف في الآية الكريمة علمت احتمال أن يكون ذهاب هذا النور ممن ضرب فيهم المثل- وهم المنافقون- في الدنيا والآخرة معا، فأما ذهابه في الدنيا فما يعتريهم من الشكوك فيما أدركوا حقه من عقيدة التوحيد، وعلموا صدقه من رسالة النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم، وما يتبع هذه الشكوك من رسوخ الكفر في نفوسهم واستحكام الضلال، وأما في الآخرة فإن المنافق بمجرد موته أو إشرافه عليه تنكشف له حقيقة الأمر ولا يعود ينفعه ما كان يتشبت به في الدنيا عند الناس من تدين ظاهري وهو معنى ما سبقت روايته عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وبما أن الامام محمد عبده يرى أن هذا المثل في اليهود ومن كان على شاكلتهم كما سبق، ذهب في تطبيقه عليهم إلى أنهم استوقدوا نار الهداية الالهية بفطرتهم السليمة عندما صدقوا رسله، فلما أشرقت لهم، واستنارت لهم الطريق، انحرفت بهم التقاليد والعادات وصرفتهم عنها المنافع التي يتوهمونها والفوائد العاجلة التي يقصدونها فحرموا الانتفاع بذلك النور واستبدلوا به ظلمات الليل البهيم.
ومهما قيل في معنى المثل فليس فيه ما يدل على أنهم أجبروا على الزيغ عن الهدى إلى الضلال، وعن النور إلى الظلمات، وإنما كان ذلك باختيار أنفسهم وعندما يركن أحد إلى الضلال، وينحرف عن طرق الاستقامة يتوالى عليه خذلان الله سبحانه فليسلبه نور الفطرة باستحبابه العمى على الهدى.
وفسر ابن عباس- رضي الله عنهما- النور بالإيمان رواه عنه ابن جرير وابن أبي حاتم، وأخرج ابن جرير وعبد بن حميد نحوه عن مجاهد وقتادة، ورواه ابن أبي حاتم عن عكرمة والحسن والسدي والربيع بن أنس، وروى مثله عن الضحاك.