جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٢ · صفحة ٣١٢واختلف في هذه الطريقة؛ هل هي من باب الاستعارة أو الحقيقة؟ فذهب الزمخشري وأكثر علماء التفسير من المتقدمين والمتأخرين؛ إلى أن ذلك من باب التشبيه البليغ، وهو ضرب من الحقيقة؛ لأن الاستعارة لا تكون إلا مع طي ذكر المشبه- وهو المستعار له- بحيث يكون تركيب الكلام صالحا لأن يراد به المنقول عنه والمنقول إليه لولا القرينة المعنية للمراد والمشبه هنا في حكم المذكور لأجل بناء الكلام على تقديره، وتعقب ذلك السيد الجرجاني في حواشيه على الكشاف بما معناه: أنه لم يقصد هنا تشبيه ذوات بذوات، وإنما قصد تشبيه صفات بصفات، والصفات المشبهة مطوية فلا مانع من عد ذلك من باب الاستعارة التصريحية التبعية، ورد بأن تشبيه الصفات بالصفات يتعدى إلى تشبيه الذوات بالذوات، فلذلك كان هذا الاستعمال معدودا من التشبيه البليغ الذي تحذف منه آلة التشبيه مع جواز ذكرها، إذ لا مانع من أن يقال هم كالصم البكم العمي، وإنما في التشبيه البليغ من الفائدة ما لا يوجد فيما لو ذكرت آلة التشبيه، فإن المراد هنا الايغال في وصفهم بفقدان منافع حواسهم؛ حتى اعتبروا كأن ذواتهم ذوات صم بكم عمي.
وأجاز الألوسي أن يكون الضمير المنوي المسند إليه يرمز إلى ذوات هؤلاء مع استحضار منا سبق من أوصافهم ككونهم لا يشعرون ولا يعلمون، فيكون ذلك دليلا على المراد بصممهم وبكمهم وعماهم ولا يخرج عن دائرة التشبيه البليغ.
والذي يتبادر لي أن نية المسند إليه لا تمنع من عد هذه الطريقة من باب الاستعارة فإن للمشتقات أحكاما تختلف عن أحكام الجوامد ألا ترى أن قول القائل:
"أراك تقدم رجلا وتؤخر أخر" معدود في الاستعارة التمثيلية باتفاق البلغاء، مع ذكر الضمير المنصوب العائد إلى ذات المستعار له هذا الوصف ومثله قول القائل: " فلان يوقد النار" والقصد إثارة الفتنة والبغضاء ،فإن ذكر اسمه صريحا لا يمنع من عد هذا الأسلوب من باب الاستعارة وقد عدوا قول الشاعر: