جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٢ · صفحة ٣١٥هذا انتقال من تمثيل إلى آخر لتعرية أحوالهم وبيان أوصافهم، والانتقال من مثل إلى آخر مألوف في القرآن الكريم، وفي كلام بلغاء العرب منظومة ومنثورة، وهو لا يأتي إلا مع قصد التأكيد على الشيء لأجل مزيد العناية به، سواء كان لقصد تحبيبه إلى النفوس وتأليفها عليه، أو لقصد تكريهه إليها وتنفريها منه، ومن أمثلة ما ورد منه في القرآن قوله تعالى: ﴿ والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع العقاب، أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوق سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ﴾(1) ، ومن أمثلة ما ورد من ذلك في كلام العرب قول امرئ القيس:
أصاح ترى برقا أريك وميضه … ... كلمع اليدين في حبي مكلل
يضيء سناه أو مصابيح راهب … ... أمال السليط بالذبال المفتل
فقوله " أو مصابيح راهب…الخ" معطوف على التشبيه في قوله " كلمع اليدين" وقول لبيد في وصف ناقته:
فلها هباب في الزمام كأنه … صهباء خف مع الجنوب جهامها
أو ملمع وسقت لأحقب لاحه … طرد الفحول وضربها وكدامها
أفتلك أم وحشية مسبوعة … خذلت وهادية الصواري قوامها
ونحوه قول ذي الرمة:
وثب المسحج من عانات معقلة … كأنه مستبان الشك أو جنب
ثم قال:
أذاك أم نمش بالوشي أكرعه … مسفع الخد غاد ناشع شبب
ثم قال:
أذاك أم خاضب بالسي مرتعه … أو ثلاثين أمسى وهو منقلب
ويجوز أن يكون العطف في مثل ذلك بأو وبغيرها كما علمت، وأصل أو لتساوي الأمرين في الشك ،ثم استعملت في مطلق التسوية وهي هنا دالة على جواز التمثيل بما سبقها وما وليها.
(1) سورة النور الآيتان "39- 40"