جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٢ · صفحة ٣١٧وأنتم ترون أن ما ذكره هنا ينافي ما حدده أولا من أن الفريقين من اليهود، فإن هذه الصفات التي ذكرها إنما تنطبق على ضلال هذه الأمة؛ الذين اكتفوا من القرآن الكريم بتلاوته بالأنغام الشجية والألحان المطربة في الحفلات والمؤتمرات، ولم يعنوا بإصلاح نفوسهم به، وتنشئة أولادهم عليه، كأنما القرآن أنزل للاطراب والتسلية، لا للاصلاح والعمل والهداية، اللهم إلا أن يكون الأستاذ أراد مما أورده هنا أن المثل وإن كان مضروبا في اليهود الذين استبدلوا الضلالة بالهدى، واستحبوا العمى على البصيرة بإهمالهم ما أنزل عليهم، وإطفائهم أنوار الفطرة في نفوسهم بعواصف الأهواء فإنه ينطبق على من سلك مسالكهم من هذه الأمة، كأولئك الذين وصفهم بما وصفهم به.
وقد علمتم مما سبق أن الذي يقتضيه السياق ويدل عليه اللفظ هو أن هذه الأوصاف شاملة لمنافقي هذه الأمة، بغض النظر عن كونهم من العنصر اليهودي، أو من العرب كما علمتم أن هذه العناية بشرح أوصافهم، وتجلية حالاتهم النفسية، وإماطة الستار عن طواياهم دليل على أنهم لم يكونوا محصورين في زمن الرسالة وأنهم لم يكونوا مصدر خطر على هذه الأمة ودينها في ذلك العصر فحسب، بل هم مصدر بلاء وعنت وشقاق في كل عصر، فإنهم بالتواء مسالكهم واختلاف مداخلهم ومخارجهم، وتعدد وجوههم، يعسر الحذر منهم، ويقل الانتباه لمركهم.
والصيب؛ المطر، مأخوذ من صاب يصوب إذا نزل ومنه قول علقمة:
فلا تعدلي بيني وبين معمر … ... سقتك روايا المزن حيث تصوب
وأصله صيوب- بإسكان الياء وكسر الواو- ولكن أبدلت الواو ياء وأدمغت، ونحوه ميت وسيد وهين، وتفسيره بالمطر هو رأي الأكثرين، وعزي إلى ابن مسعود وابن عباس، وآخرين من الصحابة وأبي العالية ومجاهد وسعيد بن جبير، وعطاء والحسن البصري، وقتادة، وعطية العوفي، وعطاء الخراساني، والربيع بن أنس، وروى عن الضحاك أنه السحاب واستدل له بقول الشاعر:
وأسحم دان صادق الرعد صيب