جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)

الجزء ٢ · صفحة ٣١٨

وهو في هذا المثل مشبه به القرآن، وروى ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس- رضي الله عنهما- واستدل له بقوله صلى الله عليه وسلم: ط مثل ما بعثني الله به من الهدى كمثل الغيث أصاب أرضا فكانت منها نقية…الخ".

والسماء ما كان أعلى الأرض، وسنتكلم إن شاء الله عنها فيما يأتي، والصيب لا ينزل إلا من جهة السماء، فالاخبار عنه أنه من السماء؛ إما لمزيد الكشف والبيان لأجل التهويل والتعظيم نحو قول امرئ القيس:

كمجلود صخر حطه السيل من عل

مع العلم أن الحط لا يكون إلا من أعلى، ومنه قوله تعالى: ﴿ فأمطر علينا حجارة من السماء ﴾(1) ، وإما الدلالة على غزارة الصيب لانحداره من جميع جهات السماء، بناء على اعتبار كل أفق سماء، وأن التعريف للجنس، وهو قاض بعموم جميع مدلولاته، وهذا هو توجيه الزمخشري، وفيه نظر لأن دلالة التعريف الجنسي على العموم إنما هي في جزئيات الكلي لا في أجزاء الكل، وإما اللاشعار بأنه أمر لا يملكون دفعه، وليس ملاكه في أيديهم، وقد اشتهر عند العرب التعبير عما ألم بالناس ولم يكونوا يملكون دفعه بأنه نازل من السماء، وهو توجيه الامام محمد عبده، وبناه على أن المقصود بالصيب في المثل الإرشادات الإلهية التي تسنح للأفكار عندما ينقدح ضوء الفطرة، وهو أمر وهبي واقع ما له من دافع، ولا يخلوا هذا الوجه من النظر أيضا، فإن المتبادر هنا من كون الصيب من السماء أمر حسي مشاهد؛ وليس حقيقة معنوية معقولة، والأصل أن لا يعدل عن المتبادر إلى غيره وبهذا يتضح أن التوجيه الأول هو الذي ينبغي أن لا يعدل عنه.

والظلمات جمع ظلمة، وقد تقدم معناها، فإن أريد لا لصيب المطر- كما هو رأي الجمهور- فالمراد بالظلمات ظلمة تتابع قطره، بمعنى مع، وإن كان المراد به السحاب- كما هو رأي الضحاك- فالمراد بالظلمات ظلمة سمحته، وظلمة الليل وظلمة غزارة قطره.

(1) سورة الأنفال الآية "32".

٦٩٤ / ١٬٤٤٧