جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٢ · صفحة ٣٢١وذهب الأكثرون من المفسرين والبلغاء إلى أن الأصابع هنا مجاز عن الأنامل لعلاقة الجزئية والكلية، والداعي إلى التجوز المبالغة في وصف حالهم وما أصابهم من الهلع، حتى يكاد أحدهم أن يغرز جميع أصبعه في أذنه، ولا داعي إلى ما ذهبوا إليه، فإن جعل الأصبع في الأذن يصدق حقيقة على إدخال بعضها أو كلها، كما لو قال قائل: لمست بدن فلان، فلا يلزم منه أن يحيط اللمس بجميع بدنه، ومثله يقال في أي عضو، فإن الاخبار عنه بشيء لا يقتضي الاحاطة حتى لا يخرج منه عن مدلول ذلك الخبر، ألا ترون أن الأمة أجمعت على حمل قوله تعالى: ﴿ والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ﴾(1) ، على القطع من الرسغ مع أن لفظ اليد يصدق على الكف والساعد والعضد إلى المنكب.
وجملة ط يجعلون أصابعهم…الخ" قيل: إنها حالية لايضاح المقصود من الهيئة المشبه بها؛ لأنها كانت مجملة ولا أدري ما هو العامل فيها عند هذا القائل، على أن المعهود في الأحوال أن تأتي للكشف عن المفردات لا الجمل، وقد قالوا إن للجمل حكم النكرات ولا تأتي حال من نكرة إلا إذا تقدمتها نحو " لمية موحشا طلل".
وقيل إنها استئناف بياني لأنه لما ذكر الصيب ورعده وبرقه تبادر سؤال سائل، كيف يفعلون مع ذلك؟ فأجيب بها.
وقد سبق الكلام عن الصواعق وهي مأخوذة من الصعق؛ وهو الصوت الشديد، ويقال: صعقته الصاعقة إذا أهلكته، كما يقال صعق إذا مات، وقوله " من الصواعق" تعليل لقوله " يجعلون أصابعهم في آذانهم" فهو سادٌّ مسد المفعول لأجله، وقوله: " حذر الموت" تعليل للمعلوم مع علته فلا يرد عليه أنه لا يترادف تعليلان لمعول واحد، أفاد ذلك ابن هاشم وقطب الأئمة، وذلك أن التعليل الأول بمثابة القيد غير المطلق.
(1) سورة المائدة الآية "38".