جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٢ · صفحة ٣٢٣والخطف الأخذ بسرعة، والتعبير بكلما في جانب الاضاءة وبإذاء في جانب الاظلام، ويفيد أنهم حريصون على المشي فلا يترددون- إذا ما أبصروا الطريق من لمعان البرق- في الاسراع فيه، وقد تقدم أن " أضاء" يصح أن يكون لازما وأن يكون متعديا، وكذلك " أظلم" غير أن اللزوم في هذا الأخير أكثر، وإنما يترجح التعدي هنا لمقارنته " أضاء" مع قرائن الحال الدالة على أنهم كانوا ينتفعون بإضاءة الطريق فيحرصون عليها، وعليه فيقدر المفعول- وهو الطريق أو المشي- في الموضعين، والمراد بقيامهم إمساكهم عن المشي.
واختلف في أفراد هذه الصورة التمثيلية، هل كان فرد منها واقع إزاء نظير له في الصورة الممثلة؛ بحيث يصح أن يستقل بالتشبيه، أو هي مندمجة بالتركيب، ولا داعي إلى الالتفات إلى ما بين كل فرد وآخر من التناسب؟
أقوال في مفردات هذا التمثيل:
وعلى القول الأول فلا محيص عن البحث عما يقابل كل فرد من الهيئة المشبه بها من أفراد الهيئة المشبهة، وهو الذي عليه جمهور أهل التفسير من السلف والخلف، وقد سبق أن جماعة من الصحابة فمن بعدهم قالوا: إن المراد بالصيب القرآن، بجامع أن كلا منهما سبب للمنفعة والحياة وإليكم بعض ما قيل في المراد بهذه المفردات من التمثيل:
1- الصيب هو القرآن وما فيه من الاشكال عليهم والعمى هو الظلمات، وما فيه من الوعيد والزجر هو الرعد، وما فيه من النور والحجج التي تبهر عقولهم هي البرق، وتخوفهم وروعهم وحذرهم هي جعل أصابعهم في آذانهم، وفضح نفاقهم واشتهار كفرهم وما يكرهونه من تكاليف الشرع كالجهاد والزكاة هي الصواعق، وعزا ذلك ابن عطية إلى الجمهور، وحمل عليه ما روي عن ابن مسعود- رضي الله عنه- أن المنافقين في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يجعلون أصابعهم في آذانهم لئلا يسمعوا القرآن فضرب الله المثل لهم.
2- أن الصيب مثل الاسلام، والظلمات مثل لما في قلوبهم من النفاق والبرق والرعد مثلان لما يخوّفون به.