جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٢ · صفحة ٣٣٩يرى أن الآية الكريمة ما جاءت إلا لتخاطب أمثاله، فسبحان من وسع كلامه جميع خلقه وهو بكل شيء عليم.
والمراد بإنزال الماء من السماء، إنزاله من هذا الفضاء الذي يعلو الأرض بعد أن تتصاعد إليه الأبخرة- بتأثير حرارة الشمس- من المحيطات والبحار والأنهار فتتجمد في الفضاء لتأثير البرودة، ويتكون منها السحاب فتذوبه الطاقة الحرارية، وينهمر منه هذا الودق النافع للعباد، وذلك كله بمشيئة الله، ولو شاء لخلق الماء في هذه الأرض نفسها من غير أن يتنزل من السماء، ومن غير أن يمر بأي طور من هذه الأطوار، كما أنه سبحانه لو شاء أن يخلق الناس والبهائم من غير لقاء بين الذكر والأنثى، ومن غير مرور بأطوار الحمل لكان ذلك، ولكنه- جلت حكمته- أراد بتنقل الأشياء من طور إلى آخر، وتقبلها من حال إلى أخرى تذكيرا للعباد، وتبصيرا بحكمته المبدأ وإمكان المعاد.
هذا وقد جمد كثير من المفسرين على ظاهر الآية، وزعموا أن المطر يتنزل من السموات العالية حيث الأجرام الفلكية وادعوا أن السحاب ليس هو إلا غربالا له، ومنهم من قال إن القطرات التي تتنزل من السموات هي بحسب حالها الذي نشاهده، وبالغ بعضهم فادعى أن المطر ينزل من تحت شجرة من أشجار الجنة، وقد بالغوا في رد الرأي الصحيح وعده من الأوهام الفلسفية، وما دروا انهم هم الذين أسرتهم الأوهام بسبب ركونهم إلى الروايات الكاذبة التي راجت في أوساط الناس بعد ما مهد اليهود لرواجها، وليس لشيء منها سند يعول عليه، إذ لم يثبت أي شيء منها عن الرسول صلى الله عليه وسلم أو عن أصحابه- رضي الله عنهم- ولا يصح الآن بعد ما وضح الصبح لذي عينين أن يتعلق أحد بهذه الأوهام، فقد دلت المشاهدة على كذبها فكثيرا ما يخترق الراكبون على الطائرات طبقات السحاب الماطر حتى إذا جاوزوه وكانوا أعلاه لم يروا للمطر أثرا، فأين هذه القطرات التي هي في جهنم الجمال؟