جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٢ · صفحة ٣٣٨والمراد من جعل السماء بناء الربط بين أجرامها بسنة الجاذبية، التي هي أشبه بوضع لبنة على لبنة في البناء، فإنها يشد بعضها بعضا بما أودع الله سبحانه في كل منها من طبائع تتلاءم كما يشد اللبن بعضه بعضا، وذلك من أسباب تمكن الانسان من الاستقرار على الأرض حتى يأتي وعد الله بانحلال هذا الرباط وتداعي هذا البناء، كما أخبر تعالى في قوله ﴿ إذا السماء انفطرت وإذا الكواكب انتثرت ﴾(1) ، وبجانب ذلك فإن الغلاف الهوائي المحيط بالكرة الأرضية أشبه ما يكون بالسقف المبني الواقي، فالشهب التي تتقاذف في أرجاء الفضاء لا تكاد تصلنا بسبب هذا الحاجز الطبيعي، وكذلك الأهوية المنبعثة من الأجرام السماوية ذات الطبائع المهلكة أو المؤذية، فإنها باتصالها بهذا الحاجز يصدها عن الوصول إلينا إلا بعد أن تلطف وتتكيف مع طبيعة هذه الفكرة الأثيرية الملائمة لطبيعة الأرض ومن فيها، وعلى كلا المعنيين يتضح معنى جعل السماء بناء لها، وهو يعد من الإعجاز العلمي الذي سبق القول فيه في الجزء الأول، إذ لم تكن هذه الحقائق واضحة للناس في عهد نزول القرآن، خصوصا أولئك الأميين الذين نزل بينهم، وبجانب هذا فإن التعبير عن هذه الحقائق بهذا الأسلوب الغريب يعد نمطا من أنماط الإعجاز البياني الذي تحدثنا عنه، وذلك أن القرآن واجه عصورا مختلفة تنوعت فيها الثقافات، وتباينت فيها التصورات باختلاف أطوار البشر، واختلاف علومهم وآدابهم، ومع ذلك فقد وسع هذا التعبير جميع هذه الأحوال ولم يصطدم مع مفاهيم أي جيل من هذه الأجيال، فالبدوي البدائي الذي لم يكن يدرك شيئا مما سبق الحديث عنه؛ من ترابط الأجرام الفلكية، وإحاطة الأرض بمظلة هوائية إذا تلا هذه الآية أو تليت عليه فهم من معناها ما وصل إليه فهمه، ولم تصطدم بشيء من تصوراته حول الكون، والعالم الفلكي في هذا العصر الذي توفرت لديه وسائل الاكتشاف التي لم تكن في الحسبان من قبل
(1) 3 ) سورة الانفطار الآيتان "1، 2"