جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ١ · صفحة ٧٢"الحكم على الشيء فرع تصوره" لوجدته ينجذب إليه عقلك انجذابا لأنها حقيقة لا يماري فيها العقل لكنك لا تجد في قولهم هذا ما يحرك ما سكن من مشاعرك أو يؤجج ما خمد من عواطفك، ولو طرق سمعك قول امرئ القيس:-
"قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل" لوجدت نفسك تفيض مشاعرها وتتحرك أوتار شعورها حتى ليكاد قلبك ينخلع من بين جنبيك فيطير مما استهواه من كلام يتدفق بفيض عاطفي لكنك لو فتشت من بين هذا الكلام عن حقيقة تقدمها غذاء لعقلك فإنك لن تعود بشيء إلا بما يعود به الظمآن الذي يلاحق السراب ولا تكاد تجد في كلام الناس ما يجمع بين طلبة العقل ومتعة الوجدان في آن واحد أما القرآن الكريم فبما أنه كلام الله المنزه عن الانفعالات والتأثيرات الذي وجهه إلى الفطرة الإنسانية فهو يجمع في ثنايا عباراته بين ما يمتع الذوق ويرهف الحس وبين ما يغذي العقل ويرضي الضمير سواء كان خطابه في الأمر والنهي أو في الوعد والوعيد أو في القصص والأمثال أو في الوعظ والتذكير، فلو نظرت مثلا إلى قول الحق سبحانه"الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ" ( البقرة/275) لوجدت من الحقائق التي لا يكابر فيها إلا من كابر عقله مع ما تجده من جمال التعبير ودقة التصوير مما يمتع ذوقك ويحرك شعورك ويبعث الكامن في وجدانك وانظر أيضا إلى قول الله سبحانه: "وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى " ( المائدة/8) تجد ما يجمع لك بين طلبة عقلك ومتعة عاطفتك في هذه الكلمات